الكورد في العراق



الكورد في العراق (الثورات)


- دولة العراق الجديدة
- ثورات الشيخ محمود البرزنجي
- ثورة البارزاني الأولى (1931)
- ثورة البارزاني الثانية (1943)
- انقلاب 14 يوليه 1958(عبد الكريم قاسم)
- ثورة 1961 (أسبابها و نتائجها)
- انقلاب 8 فبراير 1963 (عبد السلام عارف)
- انقلاب 17 يوليه 1968 (تسلم حزب البعث)
- الصراع الكوردي البعثي
- بيان 11 مارس 1970
- ثورة 1974
- اتفاقية الجزائر
- حلبجة 1988
- القضية الكوردية عقب حرب تحرير الكويت
- مواقف القوى الكوردية من قضية الحكم الذاتي






1دولة العراق الجديدة، وقضية الموصل

احتل الإنجليز العراق، عام 1917، بعد طرد القوات العثمانية منه، ووضع تحت الانتداب الإنجليزي، في 3 مارس 1920 وأقر مؤتمر القاهرة، الذي أنهى جلساته في 9 أبريل 1921، المشروع الجديد لإنشاء دولة عربية في العراق، برئاسة الشريف فيصل بن الحسين ونودي بالشريف فيصل ملكاً على العراق في 11 يوليه 1921م، وتوِّج على عرش العراق، في 23 أغسطس 1921 .
وفي نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت القوات التركية لا تزال محتفظة بمنطقتَي الموصل والسليمانية بينما ترابط القوات البريطانية في جنوب الموصل وعلى أثر توقيع معاهدة الهدنة، في مندروس، أو مودروس (Mondros, Moudros)، بين الحلفاء والدولة العثمانية المنهزمة، في أول نوفمبر 1918 انسحب القائد التركي بقواته من الموصل، إلى داخل الأراضي التركية، بموجب نصوص المعاهدة المذكورة.
وكانت بريطانيا وتركيا تعلمان أهمية الموصل النفطية وحاول الأتراك الاحتفاظ بها، وضمها إلى تركيا الحديثة فأقر المجلس الوطني التركي، في "الميثاق الوطني"، في 13 سبتمبر 1919، في مادته الأولى، ما يلي:
"إذا اقتضت الضرورة، يقرر مصير أجزاء الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تسكنها أكثرية عربية، والتي كانت، حين عقد الهدنة في 20 أكتوبر 1918، تحت احتلال القوات المعادية، وفقاً لتصويت سكانها الحر".
"أما تلك الأجزاء (سواء كانت داخل خط الهدنة المذكورة، أو خارجه)، التي تسكنها أكثرية عثمانية مسلمة، متحدة في الدين والجنس والهدف، ومشربة بعواطف الاحترام المتبادل، وبالتضحية، وتحترم احتراماً كلياً متبادلاً الحقوق، القومية والاجتماعية، والظروف المحيطة بها، فتؤلف جزءاً من الوطن، لا ينفصل عنه لأي سبب، منطقي أو قانوني".
وبعد انتصار الأتراك على اليونانيين، وطردهم من غربي الأناضول و أزمير، أعلن مصطفى كمال، فيما يتعلق بمشكلة الموصل، أن الميثاق الوطني هو الحد الأدنى لحقوق تركيا وأعلن عصمت إينونو، رئيس الوفد التركي إلى مؤتمر لوزان، عام 1923، بإصرار، أن سكان الموصل، هم من الترك المسلمين، بدليل أنهم انتخبوا عنهم نواباً في المجلس الوطني الكبير و عقدت معاهدة لوزان، التي عالجت كافة الأمور بين تركيا والحلفاء، ورسمت الحدود التركية مع جيرانها (بلغاريا واليونان وسوريا وروسيا وأرمينيا) إلا أنها أبقت الحدود التركية، الجنوبية والجنوبية الشرقية، من دون تسوية فقد نصت المادة الثالثة على ما يلي:"ستتم تسوية الحدود الفاصلة بين تركيا والعراق، بطريقة دولية، بين الحكومتَين البريطانية والتركية، في غضون تسعة أشهر وإن لم تتوصل الحكومتان إلى اتفاق، خلال المدة المعينة، تحال القضية إلى مجلس عصبة الأمم".
وعقد مؤتمر، في إستانبول، لبحث مشكلة الموصل، في 19 مايو 1924 وأعلن رئيس الوفد التركي، قائلاً:"إن الترك و الكورد أبناء وطن واحد وإنه من المستحيل اقتطاعهم من وطنهم، من أجل بضعة آلاف من الأشوريين وكرر الحجة التركية القائلة إن الكورد في ولاية الموصل، قد "انتخبوا عنهم نواباً في المجلس الوطني الكبير".
ولم ينجح مؤتمر استانبول، فعاد الطرفان، التركي والبريطاني، إلى مجلس عصبة الأمم وحاول الأتراك، عام 1924، الاستيلاء على الموصل، بالقوة، ولكنهم انسحبوا منها، في العام نفسه.
و أُحيلت مسألة الحدود إلى مجلس عصبة الأمم، فقرر، في 30 سبتمبر 1924، تشكيل لجنة دولية، من ثلاثة أعضاء، للتحقيق في مشكلة الموصل، وتقديم تقريرها حول الحدود وكان أعضاء اللجنة، هم: الكولونيل البلجيكي باوليس، والكونت تيكيلي، وهو رئيس وزراء المجر السابق، وفيرسن، الوزير السويدي المفوض، الذي تولى رئاسة اللجنة وقد قررت اللجنة إجراء بالتحريات في المنطقة، فوصلت إلى الموصل، في يناير 1925 .
وقدمت اللجنة تقريرها إلى مجلس عصبة الأمم واقترحت تركيا إجراء استفتاء، يبيّن إرادة السكان غير أن بريطانيا، عارضت الاقتراح، لأن الأمر يتعلق بخط الحدود، وليس بمنطقة من المناطق وتقدم الجانبان بأرقام مختلفة عن القوميات القاطنة في الموصل.
وقد عَدَّ الإنجليز الكورد آريين، لا تربطهم بالأتراك رابطة أما الأتراك، فأعلنوا أنه لا يوجد فرق بين الكورد والأتراك، وأن الأمّتَين، قد عاشتا، بود، جنباً إلى جنب، طيلة قرون عديدة.

وتوصلت اللجنة إلى استنتاجات تختلف عن ذلك كلياً "ليس الكورد عرباً، ولا ترْكاً، ولا فرْساً إلا أنهم قريبون من الفرْس أكثر من الآخرين وهم يختلفون، ويجب تمييزهم عن الأتراك وهم بعيدون عن العرب، ويختلفون عنهم أكثر".

ثم يمضي التقرير، قائلاً: "وفي حالة اعتماد النواحي العنصرية، وحدها، أساساً للاستنتاج، فإنها تقودنا إلى القول بوجوب إنشاء دولة كوردية مستقلة فالكورد يشكلون خمسة أثمان السكان وإذا صار الاتجاه إلى هذا الحل، فإن اليزيديين، وهم عنصر مشابه للكورد، يجب أن يدخلوا ضمن عددهم، فتكون نسبة الكورد، حينذاك، سبعة أثمان السكان".
وهذا يعني أن الوثائق الرسمية لعصبة الأمم، تعترف بوجود الكورد كأمة مستقلة، وكذلك، بحقهم في إنشاء دولة كوردية مستقلة.

قرر مجلس عصبة الأمم، في 16 ديسمبر 1925، ضم الموصل إلى الأراضي العراقية.
ولقد قبِلت تركيا، آخر الأمر، بخط بروكسل، الذي عَّين حدودها الجنوبية، بموجب القرار، الصادر عن لجنة عصبة الأمم، في بروكسل، عام 1924 .
وبذلك فصلت كوردستان العراق عن كوردستان تركيا ودخل جزء من أراضي كوردستان ضمن حدود الدولة العراقية.

وفي 13 يناير 1926، أبرمت الحكومتان، العراقية والتركية المعاهدة التي نظمت الحدود بينهما وجاء في المادة 12 من المعاهدة المذكورة ما يلي:

(على السلطات التركية، والسلطات العراقية، الامتناع عن كل مخابرة ذات صبغة رسمية، أو سياسية، مع رؤساء العشائر أو شيوخها، أو غيرهم من أفرادها، من رعايا الدولة الأخرى، الموجودين، فعلاً، في أراضيهما، وعليها ألاّ تجيز، في منطقة الحدود، تشكيلات للدعاية، ولا اجتماعات، موجّهة ضد أي من الدولتَين)
وما أن حصلت بريطانيا على امتيازاتها النفطية، حتى فقدت كل اهتمام بإنشاء دولة كوردية ولم يكن في نية البريطانيين حسم القضية الكوردية، بل أرادوا إبقاءها ورقة ضغط في أيديهم، للضغط على الحكومة العراقية الجديدة فتعبّر بريطانيا عن موافقتها على استقلال الكورد، في "حالة جريان الأمور في العراق مجرى، لم تستشر في شأنه، وتوافق عليه".

وفي يونيه 1930، انتهى الانتداب البريطاني على العراق، وأصبح دولة مستقلة.



الثورات الكوردية في العراق

حدثت عدة ثورات كوردية، ضد الدولة العراقية الناشئة وكانت أسبابها مزيجاً من الشعور الوطني والشكاوى المحلية، وتسببها حكومات موجَّهة توجيهاً خاطئاً، لا تأبه بالاستجابة لمطالب الكورد القومية.

وتلاشت مطالبهم بمرور الزمن حتى اقتصرت على استخدام اللغة الكوردية، في المدارس والدوائر الحكومية، وهو حق من حقوقهم، التي قررتها عصبة الأمم، واعترفت بها الحكومة العراقية، في حينه.

ومع أن الحكومة العراقية، كانت تؤكد، بين الحين والآخر، التزامها باحترام تلك الحقوق المبدئية، إلا أنها كانت تتهرب، باستمرار، من تطبيقها وكانت تتهم من يطالب بتطبيقها من الكورد بالروح الانفصالية.



1- ثورات الشيخ محمود البرزنجي

تولى الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، الذي ينتمي إلى أُسرة مشهورة في السليمانية، زعامة أسرته، وأدى دوراً خطيراً في تاريخ العراق، في سنوات الحرب العالمية الأولى وما بعدها (1917-1930) وكان للشيخ محمود الحفيد نفوذ ديني واسع بين الكورد، وله سطوة وجبروت، أشاعا الرعب بين الناس في السليمانية ساعده العثمانيون بدعم مالي، لإزعاج الإنجليز في الشمال العراقي، عام 1918 وحينما وقعت الدولة العثمانية اتفاقية الهدنة، في (موندروس) سلمته لواء السليمانية ليحكمه باسمها وبقي الفوج العثماني المرابط هناك، تحت إمرته وفي تصرفه.

ولكن الشيخ البرزنجي، الطامع إلى السلطان والزعامة، تنكر للمعسكر الخاسر، واتجه إلى الإنجليز، وطلب منهم ألاّ يستثنوا كوردستان الجنوبية من قائمة الأقوام المحررة وسلم إليهم لواء السليمانية في نوفمبر 1918، وأسلم إليهم، كذلك، جنود الفوج العثماني وضباطه، أسرى وكافأه الإنجليز على ذلك، بتعيينه حاكماً (حكمدار) في لواء السليمانية وعينت إنجلترا الرائد نوئيل (Noel)، والرائد دانليس، مستشارَين له.

واجتمع الحاكم البريطاني في العراق، ولسن (Wilson)، في ديسمبر 1918، بالشيخ محمود، وزعماء العشائر الكوردية في لواء السليمانية ووجد أنهم غير متفقين على نوع الحكم، الذي ينشدونه للمنطقة الكوردية: فقد أعرب فريق منهم عن رغبته في حكومة كوردية مستقلة وطالب فريق آخر بإلحاق منطقتهم بالعراق كما وجد أن بعض الكورد غير راغبين في حكومة، يرأسها الشيخ محمود الحفيد.

وبقي الشيخ البرزنجي يحكم لواء السليمانية، بوصفه ممثلاً للحكومة البريطانية وتوسع نفوذه، وأخذ يتصل بالحركة المناوئة للبريطانيين، في شرناخ وبدا للإنجليز ضرورة التخلص منه ففي منتصف مارس 1919، عيِّن الميجور سون حاكماً سياسياً في السليمانية، لتقليص نفوذ الشيخ محمود.

ورداً على ذلك، بادر الشيخ محمود، في 20 مايو 1919، إلى انقلاب في السليمانية، بوساطة فرقة عسكرية كوردية، تسمى "الشبانة"، تسانده العشائر الكوردية في إيران، مثل الهورامان ومريوان واعتقل الضباط الإنجليز في بيوتهم، وتولى السلطة المطلقة، وقطع الخطوط السلكية مع كركوك كما استولى على قافلة، تحمل مالاً وأسلحة، كانت متجهة من كفري إلى السليمانية، واستولى على حلبجة في 26 مايو 1919 .
ولكن البريطانيين سيروا إليه حملة عسكرية، في 19 يونيه 1919، وأحاطت بالشيخ وقواته، في دربندِ بازيان قرب السليمانية، وتمكنت من أسره وهو جريح، مع جماعة من أتباعه، وأرسلتهم إلى بغداد وتقدمت القوة البريطانية حتى دخلت السليمانية، من دون قتال وحكم على الشيخ البرزنجي بالإعدام، ثم خفِّف الحكم، من قِبل القائد البريطاني، إلى السجن عشر سنوات، والنفي إلى الهند.

من جهة أخرى، بدأ الحاكم البريطاني العام في العراق، ينفّذ لائحة الانتداب البريطاني على العراق، بإيجاد وضع خاص للكورد، يتيح لهم التطلع إلى حكم ذاتي، قبْل أن يجري استفتاء الشعب العراقي في إقامة حكومة وطنية مركزية، في العراق يرأسها الملك فيصل بن الحسين فقد نصت المادة السادسة عشرة من اللائحة المذكورة، على أنه: "لا يوجد في هذا الانتداب ما يمنع المنتدَب من تأسيس حكومة مستقلة، إدارياً، في المقاطعات الكوردية، كما يلوح له".

وحينما نُظم استفتاء للشعب العراقي، عام 1921، في تنصيب الأمير فيصل بن الحسين، ملكاً على العراق، رفض الكورد، في لواء السليمانية، الاشتراك في الاستفتاء وأعلن الشيخ قادر، شقيق الشيخ محمود، المنفي، مطالبته بحكم ذاتي مستقل، ورفض فكرة الانضمام إلى العراق.

واستغلت تركيا هذا الوضع، للضغط على بريطانيا، في مسألة الموصل، التي لم تُحل، بعد فحشدت قواتها العسكرية، وعززتها بقوات غير نظامية وعلى أثر الاشتباك المسلح، بين الإنجليز وقوات الشيخ القادر، تقدمت القوات التركية داخل الحدود العراقية، والتقت مع القوات الكوردية، في منطقة "بشدر"، الواقعة شمال السليمانية واحتل الأتراك كوي سنجق، وهددوا مدينة عقرة، واندفعوا في اتجاه العمادية ولكن سرعان ما تقدمت القوات البريطانية، وطردت القوات التركية.

وهكذا، لم يجد البريطانيون بدّاً من الاستعانة بصديقهم، وعدوّهم القديم، المنفي إلى الهند، الشيخ محمود فسمحوا له بالعودة إلى السليمانية، فرجع إلى موطنه، في 14 سبتمبر 1922 واختاره الإنجليز رئيساً للمجلس المحلي المنتخب، ثم حاكماً عاما.ً

وبدأ الشيخ ينظم قواته، ويوسع نفوذه في لواء السليمانية، بقسوة بالغة وأخذ يتجه صوب كركوك، مهدداً باحتلالها وضمها إلى حكومته.

وكانت بريطانيا تعلم مسبقاً بما سيقدم عليه الشيخ محمود، وتريد بذلك الضغط على حكومة الملك فيصل، لكي توقع المعاهدة العراقية - البريطانية الأولى، التي وقعت، فعلاً، في 12 أكتوبر 1922.

وبادر الشيخ البرزنجي إلى إعلان نفسه "ملكاً" على كوردستان، في نوفمبر 1922، بعد أن تبيّن له أن الإنجليز سوف يتخلون عنه، بعد ما استنفدوا أغراضهم منه.

وحينما بعثت عليه بريطانيا حملة عسكرية، واحتلت السليمانية، في 4 مارس 1923، تمكن من استردادها، وحررها من الإنجليز، في11 يونيه 1923.

وعلى أثر خلوّ معاهدة لوزان في يوليه 1923، من فكرة إعطاء حق تقرير المصير للكورد، الوارد في معاهدة سيفر - وأصدرت الحكومة العراقية بياناً، بضغط من البريطانيين، تعترف فيه بحق الكورد، القاطنين ضمن حدود العراق، في تأسيس حكومة كوردية، ضمن حدود العراق.

غير أن الكورد، لم يهتموا بهذا البيان، وسرعان ما تبيَّن أن الحكومة البريطانية، لم تكن جادة في ضغوطها، إذ ضمت السليمانية إلى العراق، واستعيض ببيان لمجلس الوزراء العراقي، في 11 يوليه 1923، يبدي فيه نياته الحسنة تجاه الكورد وجاء فيه:

1- إن الحكومة العراقية، لا تنوي تعيين موظفين عراقيين، في الأقضية الكوردية، عدا الموظفين الفنيين.
2- إن الحكومة العراقية، لا تنوي إجبار سكان الأقضية على استعمال اللغة العربية، في مراسلاتهم الرسمية.
3- إن حقوق السكان والطوائف، الدينية والمدنية، في الأقضية المذكورة، ستؤمن تأميناً صحيحاً.

ورافق هذا البيان حشود عسكرية عراقية، للقضاء على حكم الشيخ محمود وتمكن الجيش العراقي من احتلال السليمانية في 19 يوليه 1924 بيد أن الشيخ البرزنجي، أجبر الجيش العراقي على التخلي عن المدينة، فبعثت عليه حملة عسكرية أخرى، استطاعت أن تقضي على نفوذه، وعلى أتباعه وتجبره على الانسحاب إلى الجبال وعيّنت الحكومة العراقية أحد الكورد متصرفاً للواء السليمانية، تابعاً للحكومة المركزية فاستتب الأمن، إلى حين، في تلك المنطقة.

واتخذ الشيخ محمود من مقاطعته الشاسعة، في شرقي السليمانية، مقراً لحرب العصابات، في اللواء وفي أكتوبر 1926، عقد اتفاقاً مع الحكومة العراقية، يغادر، بموجبه، العراق، مع أُسرته، ويمتنع عن التدخل في الشؤون السياسية، مقابل رد أملاكه إليه، واتخذ إيران مقاما.ً

وفي فبراير 1929، قدم ستة من النواب الكورد في المجلس النيابي، عريضة، إلى رئيس الوزراء في العراق، طلبوا فيها:

1- زيادة نفقات المعارف، في كوردستان.

2- تأليف وحدة إدارية كوردية، تضم ألوية السليمانية و أربيل و كركوك و لواءً آخر جديداً، يجمع الأقضية الكوردية في لواء الموصل، على أن يتولى أمر هذه الوحدة الإدارية مفتش كوردي عام، يكون الصلة بين منطقة كوردستان والحكومة المركزية.

3- زيادة نفقات الخدمات العامة، في المنطقة الكوردية.

وقد وافقت الحكومة العراقية، والمندوب السامي البريطاني، على المطلبَين الأول والثالث ورُفض المطلب الثاني واتُّفق على سَن قانون اللغات المحلية، الذي جعل اللغة الكوردية لغة رسمية، في الأقضية، التي يكون فيها الكورد أكثرية السكان.

وكان مقرّراً، أن تجري انتخابات، في صيف 1930 ولكن أهل السليمانية رفضوا الاشتراك فيها، واندلعت مظاهرات حاشدة، في 6 سبتمبر 1930، فوقعت صدامات بين الأهالي والشرطة والجيش، فقتل 45 شخصاً، وجرح 200 شخص.

وهكذا، عادت الأحداث الدموية إلى المنطقة، من جديد تسلل الشيخ محمود من إيران، في خريف 1930، إلى حدود لواء السليمانية، وأعلن الثورة، وقدم طلباً إلى المندوب السامي البريطاني في بغداد، بأن تترك الحكومة العراقية جميع منطقة كوردستان، ما بين خانقين و زاخو، وتتولى حكومة كوردية، تكون تحت انتداب الإنجليز، ريثما تُصدر عصبة الأمم قرارها الأخير، في شأن استقلال العراق.

ووجّهت الحكومة العراقية حملة عسكرية، للقضاء على الثورة واستمرت في قتال مع قوات الشيخ محمود، حتى مارس 1931 وانتهت بأن سلم الشيخ محمود نفسه للحكومة، في 13 مايو 1931 وفرضت عليه الإقامة الجبرية في المناطق الجنوبية، وظل مقيماً بها، حتى نشوب الثورة، عام 1941، فتركت له حكومة رشيد عالي الكيلاني حرية الإقامة بالمكان الذي يريد، فاختار العودة إلى السليمانية.

وبذلك، انتهت ثورات الشيخ محمود، التي استمرت من عام 1918 حتى عام 1931.



2- ثورة البارزاني الأولى

في منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت أُسرة تنتمي إلى رجل دين، يدعى محمداً، من شيوخ الطريقة النقشبندية، واتخذت اسم البارزاني، نسبة إلى قرية بارزان وحل محل الشيخ محمد، بعد وفاته، ابنه عبد الرحيم، ووسع دائرة نفوذه وأنجب الشيخ عبد الرحيم خمسة أبناء، هم الشيخ عبد السلام، والشيخ أحمد، والملا مصطفى، والشيخ صديق، ومحمد بابو وسيطرت هذه الأُسرة على منطقة بارزان وما حولها، من العشائر الكوردية.
وصار الشيخ عبد السلام مرجعاً لبارزان، بعد وفاة والده ورفض إرسال متطوعين من أتباعه إلى الجيش العثماني، في الحرب العالمية الأولى وامتنع عن دفع الضرائب إلى الدولة العثمانية، وتمرد عليها في مدينة عقرة، فوجَّهت إليه حملة عسكرية، أَسَرَته، وأعدم في الموصل، بعد محاكمته وتولى الأمور في بارزان، من بعده، شقيقه الشيخ أحمد، فبرز على المسرح السياسي، في زمن الاحتلال البريطاني.
بدأ الشيخ أحمد بن عبد الرحيم البارزاني بالتمرد على الحكومة العراقية، حين حاولت، في أكتوبر 1931، نشر مخافر للشرطة في منطقة بارزان، منعاً لتوسع نفوذ البارزانيين في القرى الكوردية ووقع تصادم دموي بين الشرطة والجيش، من جهة، وأعوان أحمد البارزاني، من جهة أخرى، في نوفمبر 1931، ثم توسعت الأعمال العسكرية، فيما بعد، حتى 22 يونيه 1932، حين قصفت الطائرات البريطانية القرى في منطقة بارزان فدمرت 1365 بيتاً واحتل الجيش العراقي زيتا في جوار الخاد كواندة وطوقت القوات الحكومية الشيخ أحمد البارزاني فاضطر إلى تسليم نفسه لقوات الحدود التركية.

ومع أن الحركة البارزانية الأولى، تعَد منتهية، منذ 5 يوليه 1932، إلا أن ذيولها استمرت نحو سنة كاملة، لم تنقطع الاضطرابات، خلالها، في المنطقة ذلك أن الحكومة التركية، اكتفت بإبعاد الشيخ أحمد البارزاني إلى أرزروم، أما أخواه، الملا مصطفى، والشيخ صديق، وأولو بك، وخليل خوشوي، التابعان لهما، فقد ظلوا قرب الحدود، يعبرونها إلى الأراضي العراقية.

وفي 13 مايو 1933، أصدرت الحكومة العراقية قانون العفو العام عن جميع البارزانيين وفي 29 يونيه 1933، سلم الملا مصطفى، والشيخ صديق، وأولو بك، أنفسهم مع مائتين من أتباعهم، في شيروان مازن، ولحق بهم الشيخ أحمد البارزاني.

ولم تهدأ منطقة بارزان، إذ تواصلت أعمال العصيان، التي انبرى لها، خليل خوشوي، أحد أعوان البارزانيين، وهرب الملا مصطفى، وتزعم العصيان، من جديد فوجّهت الحكومة العراقية إليه حملة عسكرية، في فبراير 1936، وقتلت خليل خوشوي، والتجأ الملا مصطفى البارزاني إلى الجبال.

وبعد انقلاب الفريق بكر صدقي، عام 1936، قبل الملا البارزاني الإقامة الجبرية بلواء السليمانية، بعيداً عن منطقته.



3- ثورة البارزاني الثانية

حينما نشبت الحرب العالمية الثانية، هرب الملا مصطفى من محل إقامته الجبرية بالسليمانية، وعاد إلى بارزان، في يوليه 1943، وعمد إلى الانتفاضة، وأخذ يهدد سلامة الدولة ، من جديد، ويقطع المواصلات، حتى استفحل أمره.
وأرادت الحكومة العراقية معالجة القضية، بالوسائل السياسية، فعيَّنت ماجد مصطفى، وهو كوردي، في منصب وزير في الحكومة، وكلفته بالتفاوض مع البارزاني ونجح ماجد مصطفى في مهمته، وانتهت بتسليم الملا مصطفى نفسه للجيش العراقي، في 7 يناير عام 1944 وجيء به إلى بغداد، وشُرط عليه أن يسلم أتباعه أسلحتهم، ومقابل ذلك، يُعاد أخوه أحمد البارزاني إلى منطقة بارزان، وتزوَّد المنطقة المواد الغذائية والملابس.
ولتحسين الإدارة المدنية، عيِّن سبعة ضباط ارتباط، من الكورد العاملين، في الجيش العراقي، لإدارة منطقة بارزان، بصورة مؤقتة، بإشراف وزير الدولة، ماجد مصطفى وإدارته.

ولكن هذه الإدارة، أخذت تعمل لمصلحة الملا مصطفى البارزاني، وتسعى إلى تحويل الحركة، من حركة عصيان إلى حركة قومية كوردية، ضد الحكومة العراقية ولما أحيل الضباط الكورد السبعة إلى التقاعد، التحقوا بخدمة الملا مصطفى البارزاني، مما أدى إلى استفحال أمره، وأصبح أقوى شخصية في المنطقة الكوردية بأسْرها.

وزاد نفوذ البارزاني بين القبائل والعشائر الكوردية، وقدم الضباط الكورد، الذين التحقوا به، خدمات عسكرية عظيمة، في فنون القتال، وتأسيس مراكز عسكرية محصنة، تشرف على الطرق الرئيسية، المؤدية إلى منطقة بارزان وفقدت الحكومة العراقية، هيبتها، واستُهين بها.

وباشر الملا مصطفى البارزاني عصيانه، في أغسطس 1945، عندما أمرت الحكومة قواتها باحتلال منطقة التمرد، والقبض على العُصاة وإعادة الطمأنينة والأمن للمنطقة.

وكانت قوة البارزانيين حوالي 2500 مسلح، مزودين بالبنادق الحديثة، وكانوا يسيطرون على منطقة واسعة، تمتد من روست حتى العمادية، ومن سر عقرة حتى نهاية برادوست ويقودهم سبعة من ضباط الجيش السابقين، وكان على مقربة منهم الجيش الروسي، وخلال حشد الجيش، طلب الملا مصطفى من جمعية "الكومه له"، أي اللجنة أو العصبة، الكوردية، في إيران، عوناً عسكرياً عاجلاً، فأمدته بأربعمائة مسلح، من طريق منطقة برادوست، المحاذية للحدود الإيرانية.

ووقع القتال بين قوات الحكومة والبارزانيين، في 25 أغسطس 1945، في بادليان، على مقربة من بله، وكان قتالاً شرساً وقاسياً على الطرفَين ولم تسفر المعركة عن نتائج حاسمة، حتى 4 سبتمبر 1945، حينما حقق الجيش العراقي بعض النجاح، باحتلال بعض المواقع البارزانية وبعد قتال عنيف، متقطع لعدة أسابيع، تمكن الجيش، والقوات غير النظامية، من هزيمة البارزانيين، ودخلوا قرية بارزان، في 5 أكتوبر 1945، وطاردوا البارزانيين إلى (كاني رش)، في اتجاه الحدود الإيرانية، في 9 أكتوبر 1945.

ودخل الملا مصطفى البارزاني منطقة آذربيجان الإيرانية التي كانت تحت الاحتلال الروسي، أثناء الحرب العالمية الأولى، ووصل أخوه أحمد إلى إيران وبقي الملا، سنة ونصف السنة، في آذربيجان، تحت ظل الحكومة الكوردية، التي أسسها الروس في ساوجبلاغ الإيرانية، برئاسة جعفر بيشواري.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عام 1945، اضطر الروس إلى الانسحاب من إيران، بعد أن ثبتوا أركان حكومة جمهورية مهاباد الكوردية، التي ضمت حكومة بيشواري، ونصب القاضي محمد رئيساً لها.

ولكن هذه الجمهورية، انهارت أمام القوات الإيرانية، واشتبك البارزانيون مع القوات الإيرانية، التي تعقبتهم حتى الحدود العراقية، حيث وجدوا القوات العراقية أمامهم، فاستسلم لها القسم الأكبر منهم ودخلت قوافلهم، مع أُسَرهم، إلى العراق، في أبريل 1947، وبينهم أحمد البارزاني وأربعة من الضباط الكورد وقد حوكم الضباط وأعدموا أما الملا مصطفى البارزاني، فقد رفض الاستسلام، وتسرب عبر الحدود العراقية، وبدأ يناوئ الحكومة من جديد.

وبناء على تجدد العصيان البارزاني، أُعلنت الأحكام العرفية في قضائي رواندوز و زيبار، وسائر المناطق المتاخمة للحدود العراقية - الإيرانية وتجمعت قوات البارزاني في شمال شيروان مازن، وفي 20 مايو 1947، باغتت القوات العسكرية العراقية قوات الملا مصطفى البارزاني، في هوبا، عند السفوح الشمالية لجبل بوتين وحينما تأكد من عدم قدرته على المقاومة، هرب إلى تركيا، ومنها دخل إلى إيران، ثانية، حيث اتجه صوب الاتحاد السوفيتي، والتجأ إلى الروس وبذلك، هدأت الأحوال في منطقة كوردستان العراقية، لأكثر من إحدى عشرة سنة.

وفي الاتحاد السوفيتي، منح الملا مصطفى حق اللجوء السياسي، وتدرب على الفنون العسكرية، إذ اشترك في بعض التدريبات العسكرية، وأعطي رتبة (جنرال) شرف.

و كذلك، أسَّس الملا مصطفى البارزاني، الحزب الديموقراطي الكوردستاني، الذي عرف، فيما بعد، باسم "البارتي"، وارتبط الحزب بالشيوعية والتيارات الماركسية وبوساطة العناصر الشيوعية في العراق، أسَّس له فروعاً في المنطقة الكوردية العراقية ونشط الحزب في إصدار المنشورات, وأصدر مجلة حزبية واكتشفت السلطات العراقية أمره، فاعتقلت معظم أعضاء لجنته المركزية، فتفرق أعضاؤه.

وشهدت الفترة من عام 1947 إلى عام 1958، ركوداً في الحركة الكوردية.



المسألة الكوردية في العهد الجمهوري العراقي

1- انقلاب 14 يوليه 1958، وانعكاساته على القضية الكوردية


في 14 يوليه 1958، قاد اللواء عبد الكريم قاسم انقلاباً، أطاح بالنظام الملكي في العراق وكان الانقلاب ذا توجهات اشتراكية.
رأى الزعماء الجدد، أن القضية الكوردية جزء من الحركة الوطنية في العراق، إذ شاركت العناصر الكوردية المثقفة في التخطيط للانقلاب لذلك، فإنه لدى تعيين مجلـس السيادة الثلاثي، على أثر الانقلاب، كان أحد أركانه العقيد خالد النقشبندي، ممثلاً الكورد كما مثل الكورد وزير واحد من أصل عشرة وزراء، ضمتهم الوزارة الأولى للانقلاب إضافة إلى تعيين ضابط كوردي عضواً في المحكمة العسكرية العليا الخاصة.

ونص الدستور المؤقت، في المادة الثالثة، "أن العرب و الكورد شركاء في هذا الوطن، ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية، ضمن الوحـدة العراقية" وهي سابقة، تعَد الأولى في تاريخ الكورد، الذين احتلوا مناصب عليا في الدولة.

وعاد الملا مصطفى البارزاني إلى العراق، حيث استقبلته الحكومة العراقية وأعضاء الحزب الشيوعي العراقي، استقبال الفاتحين، في 5 أكتوبر 1958، فأعطي مسكناً في أحد القصور الملكية، التي كان يسكنها نوري السعيد، والأمير عبد الإله، الذي كان وصياً على العرش الهاشمي في العراق وخصصت لهم رواتب شهرية عالية، وميزات أخرى.

وأمر عبد الكريم قاسم مجلس الإعمار، بأن يبني مدينة سكنية كاملة للكورد العائدين من الاتحاد السوفيتي في ناحية بارزان ويصرف لهم الرواتب والمعاشات الشهرية ومكّن عبد الكريم قاسم الملا مصطفى البارزاني، من استعادة نفوذه وسيطرته على منطقته، بعد ثلاثة عشر عاما وكان قاسم يهدف من ذلك إلى السيطرة على المنطقة الشمالية من العراق، والحؤول دون ثوراتها ضده، خاصة بعد ثورة الموصل التي قادها القوميون العرب، عام 1959 فقد أدى إبعاد عبد الكريم قاسم القوميين، واعتماده على الشيوعيين و الكورد، إلى محاولة الضباط القوميين العرب إطاحته، والقضاء عليه، ومنها حركة الموصل في 8 مارس 1959 التي قادها عبد الوهاب الشواف، أحد الضباط المشاركين في انقلاب 14 يوليه، والتي استعان عليها عبد الكريم قاسم بالشيوعيين في الموصل، و الكورد من أنصار البارزاني، فقضوا عليها، وقتل الشواف على يد أحد الكورد ويُجمع المؤرخون على أن سرعة تحرك الكورد، الناجمة عن التنسيق، والاتصال السريع، بين عبد الكريم قاسم والملا البارزاني، هو السبب في إخماد هذه المحاولة.

وبعد فشل هذه الحادثة مباشرة، سمح اللواء عبد الكريم قاسم لأتباع الملا مصطفى البارزاني، بالعودة من الاتحاد السوفيتي إلى العراق، وعبَرت، في 7 أبريل 1959، قناة السويس، الباخرة الروسية (غروزيا)، وعلى ظهرها 755 جندياً كوردياً تتراوح أعمارهم ما بين الثالثة والعشرين والثالثة والثلاثين، مسلحين تسليحاً كاملاً، في طريقهم إلى العراق، وكان يواكب تلك الباخرة ثلاث أُخَر، هي: متشنكوف، ونيكولاي بيجوروف، وجاقان، وهي محملة بالأسلحة والذخائر وأعلن، وقتها، أنهم أكراد العراق، ويعودون إليه، بعد تحرره.

وفي 14 يوليه 1959، اشترك الكورد مع المنظمات الشيوعية، في الحوادث التي وقعت في كركوك، في أثناء احتفالات الانقلاب بعيده الأول وتُعَد هذه الحوادث انعكاساً للفوضى السياسية، التي كانت يعيشها العراق في هذه المرحلة، ولنية الحكومة التخلص من العناصر، القومية والدينية، إذ وافق يوم 14 يوليه 1959، العاشر من محرم "يوم عاشوراء" ذا الأهمية الدينية الخاصة في العراق وخلال الاحتفالات بعيد الانقلاب، جرت صدامات دموية، في وسط العراق وجنوبيه، وفي كركوك، حيث اتخذت أبعاداً أوسع، وذهب ضحيتها 79 قتيلاً، معظمهم من التركمان وقد أثارت هذه الأحداث الزعيم عبد الكريم قاسم، فألقى كلمة في كنيسة مار يوسف، في 19 يوليه 1959، هاجم فيها أعمال العنف، التي ارتكبت في كركوك ومدن أخرى ثم عقد مؤتمراً صحفياً، في 29 يوليه 1959، تحدث فيه عن الجرائم، التي ارتكبت في كركوك، وأشار، من طرف خفيّ، إلى أن الشيوعيين، هم الذين ارتكبوها.

وبعد هذه الأحداث توطدت علاقات الملا مصطفى البارزاني بالزعيم عبد الكريم قاسم، مما شجع الزعيم الكوردي على تقديم طلب رسمي، لإشهار الحزب الديموقراطي الكوردستاني، "بارتي ديموقراطي كوردستان"، في 9 يناير 1960 وقد أقرت وزارة الداخلية الطلب، وأُعلن الحزب في 9 فبراير 1960 وكان برنامجه، في مجمله، يسير على الخطوط الماركسية اللينينية، ونص:

فـي مادته الثانية: أن الحزب ديموقراطي ثوري، يمثل مصالح الفلاحين و الكسبة والحِرفيين والمثقفين، في كوردستان العراق.

ونصت المادة الثالثة: أن الحزب، ينتفع، في نضاله السياسي، وفي تحليلاته الاجتماعية، من النظرية العلمية الماركسية اللينينية.

وفي المادة الرابعة: أن الحزب يناضل من أجل صيانة الجمهورية العراقية، وتوسيع اتجاهها الديموقراطي وتعميقه.

كما نص البرنامج على توطيد علاقات الأخوّة والصداقة مع الحزب الشيوعي العراقي، والحزب الوطني الديموقراطي، والمنظمات الديموقراطية في العراق ويناضل الحزب من أجل حصول الشعب الكوردي على حق التمثيل والتوظيف، في جميع مرافق الدولة، بما يتلاءم مع تعداد الكورد في العراق.

ونصت المادة 23: على أن الحزب يساند نضال الشعب الكوردي، في مختلف أجزاء كوردستان، للتحرر من نير الاستعمار والرجعية.

وقد رفضت وزارة الداخلية العراقية هذه المادة، ورفعتها من برنامج الحزب وقد عمل الحزب، بنجاح، على بث الدعوة القومية بين الكورد، في غضون العلاقات الحسنة بين الملا البارزاني وعبد الكريم قاسم إلا أن شهر العسل، لم يدم طويلاً.



2- ثورة 1961

بدءاً من مارس 1960، بدأ الجفاء يباعد بين عبد الكريم قاسم والملا مصطفى البارزاني، بسبب ضغوط الزعيم الكوردي لتطبيق المادة الثالثة من الدستور بحذافيرها، وتحقيق الإصلاحات الاجتماعية، في كوردستان العراق وبدأت جريدة الحزب "خه بات"، الناطقة بلسان الحزب الديموقراطي الكوردستاني، تهاجم الحكم العراقي، وتطالب بإلغاء الأحكام العرفية، والأوضاع الاستثنائية، وبالإفراج عن المعتقلين …

عنـدئذٍ، رأى عبد الكريم قاسم، أن الحزب الكوردي، يشكل عقبة في طريق حكمه الفردي، فبدأ يطارد قادته، ويعتقل أعضاءه وأغلق صحيفته "خه بات"، في مارس 1961، بتهمة نشرها مقالاً، ناقشت فيه المادتين الثانية والثالثة، من الدستور المؤقت وقد أدت هذه الإجراءات إلى انحسار نشاط الحزب، في الشمال فقط، مع تصاعد مقاومته، إذ أعلن البارزاني منطقة كوردستان، دولة كوردية مستقلة.

وفي يوليه 1961، بلغ التوتر ذروته، بين الكورد وعبد الكريم قاسم ، فتوجه الجيش العراقي لضرب التجمع الكوردي المسلح، في المنطقة الشمالية، الذي يقاوم سياسة الحكومة وحاول البارزاني تخفيف حدّة التوتر، والحيلولة دون وصولها إلى تصادم مسلح، إذ قدم الحزب الكوردستاني مذكرة إلى عبد الكريم قاسم، في 20 يوليه 1961، عرض فيها الإهمال الذي تعانيه المنطقة الكوردية وقدم مطالب الحزب، و الكورد، من الحكومة، في 13 نقطة، تتلخص في الآتي:

1- سحب قوات الجيش العراقي، التي أرسلت إلى كوردستان، وعدم إجراء أي تحركات عسكرية، غير عادية، في غير الأماكن المعتادة لها، في السنين السابقة.
2- سحب الموظفين العموميين، الذين لهم دور بارز في الحوادث الأخيرة، و محاكمتهم.
3- إعادة الموظفين المبعَدين من كوردستان إلى أماكنهم السابقة، وتعيين قيادات من الكورد المخلصين، في الوظائف الرئيسية.
4- تطبيق المادة الثالثة من الدستور تطبيقاً كاملاً.
5- تطهير جهاز الحكومة من العناصر المعادية لروح انقلاب 14 يوليه التحررية.
6- إطلاق الحريات الديموقراطية للشعب، وسرعة تحويل البلاد إلى النظام الديموقراطي.
7- تنفيذ مقررات مؤتمر المعلمين الكورد، لسنة 1960، لتطوير الثقافة الكوردية.
8- جعل اللغة الكوردية لغة رسمية في جميع الدوائر الرسمية، في كوردستان.
9- إزالة آثار التفرقة العنصرية، المتبعة في حق الكورد، ومعاقبة الداعين إليها بين أبناء شعب العراق الواحـد.
10- إطلاق زراعة التبغ، في الأماكن الصالحة لزراعته.
11- تعديل قانون ضريبة الأرض، بما يرفع العبء عن كاهل الفلاحين.
12- إنشاء مشروعات في كوردستان، بما يقضي على البطالة المتفشية.
13- القضاء على الغلاء الفاحش، والضرب على أيدي المتَّجِرين بأقوات الشعب.

ولم يستجب عبد الكريم قاسم لما جاء في المذكرة، ودأب على تعزيز الحشود العسكرية، في المناطق الشمالية، بهدف القضاء على الحركة الكوردية.

وفي مواجَهة ذلك، اشتعلت الثورة الكوردية في كل أرجاء كوردستان العراق وانضم إليها العديد من كبار الإقطاعيين والآغوات، الذين كانوا قد فروا إلى إيران، بعد انقلاب يوليه 1958 واحتلت عناصر كوردية من "البشمركة"، سد دربندخان وحرض قادة الكورد العشائر الموالية لهم، ضد العشائر الموالية للحكومة وأعلن الحزب الديموقراطي الكوردستاني الإضراب العام، في المنطقة الشمالية، في 6 سبتمبر 1961، فتعطلت الأسواق والمصانع وبذلك عاشت كوردستان العراق في فوضى سياسية، وعسكرية، أجبرت الحكومة على التدخل بالقوات المسلحة،التي بدأت توجيه ضرباتها إلى قطاعات عديدة من مناطق الكورد، بدءاً من 9 سبتمبر 1961 حين اشتعل القتال، واستمر حوالي 17 شهراً، متصلاً حيناً، ومتقطعاً أحياناً، حتى سقوط حكم عبد الكريم قاسم، في 8 فبراير 1963.



أسباب ثورة 1961م

هناك رأيان متعارضان في أسباب الثورة:

الرأي الرسمي للحكومة:
ويتلخص في أن الحزب الديموقراطي الكوردستاني، لم يكن هو المحرض على هذه الثورة، أو المخطط لها وإنما استُغل، بصفته تنظيماً جاهزاً للنهوض بمثل هذه الأعمال، من ثلاث جهات وهي:

1- طبقة كبار الإقطاعيين و الآغوات، الذين شملهم قانون الإصلاح الزراعي، وفروا إلى إيران، عقب انقلاب يوليه، فوجدت فيهم طهران أداة مهمة للتأثير في النظام العراقي الجديد.
2- الدوائر الاستعمارية، المتمثلة في حلف شمال الأطلسي، والإدارتَين، الإنجليزية والأمريكية، وشركة نفط العراق وجميعها تأثرت بالانقلاب العراقي "وقد يكون الهدف، وهو شغل الإدارة العراقية عن مسألة الكويت".
3- بعض القبائل والعشائر الكوردية، التي تأثرت، سلباً، بالانقلاب.

وقد هيأت هذه الأسباب فرصة للحزب الكوردستاني، لاستغلال حالة التذمر المتصاعدة فأقحم نفسه في هذه الحركة، محاولاً السيطرة عليها، وتسخيرها لأهدافه، في مواجَهة عبد الكريم قاسم بعد أن اعتقل بعض أعضائه، وأغلق جريدته في الوقت عينه، فإن الحزب الكوردستاني، لم يكن على استعداد لأن يجد نفسه معزولاً عن أي حركة ثورية في العراق.

ويلخص أحد قادة الكورد أسباب هذه الحركة ودوافعها، في خطاب أمام جمعية الطلبة الكورد، في مدينة هانوفر، في ألمانيا، عام 1964 - في الآتي:

1- إرباك الوضع الداخلي في البلاد، وإضعاف حكومة عبد الكريم قاسم، في المفاوضات النفطية الجارية وقتئذٍ، والضغط عليها، بغية الاستسلام، والتراجع عن المطالب العراقية المشروعة، في هذه المفاوضات.
2- إعاقة تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، في شمالي العراق، لأنه أدى إلى تضرر الآغوات الإقطاعيين كما أنه قد يؤدي إلى ضغط الفلاحين الإيرانيين على حكومتهم، من أجل قانون إصلاح زراعي مماثل.

والوقائع التاريخية، المؤيدة لوجهة النظر هذه، هي:

- اتهام عبد الكريم قاسم، في مؤتمر صحفي، عقده في مبنى وزارة الدفاع، بتاريخ 23 أغسطس 1961، الشركات النفطية الاحتكارية، بتحريض الإقطاعيين الكورد على التمرد، ليمارسوا ضغطا على العراق، في مجالين:

1- مفاوضات النفط الجارية، آنذاك، بين الحكومة العراقية والشركات الأجنبية، حول مطالب العراق المشروعة في ثرواته النفطية.
2- مطالبة العراق بالكويت، والإنزال البريطاني فيها.

- اتهام عبد الكريم قاسم، في المؤتمر الصحفي عينه، كلاً من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بأنهما وراء حركة التمرد في الشمال، وقوله: "لقد صرفت السفارة البريطانية ما يقرب من نصف مليون دينار، على هذه الأعمال العدوانية الخبيثة".

- اعتراف السفير البريطاني في بغداد، همفري تريفيليان، بأنه جال في شمالي العراق، واجتمع، خلال جولته، بشيوخ الكورد إلا أنه لم يذكر دعمه لهؤلاء الشيوخ".


الرأي الثاني

وهو يمثل وجهة نظر الكورد أنفسهم، التي تعكسها المطالب الثلاثة عشر، التي تضمنتها في مذكرتهم المقدمة إلى عبد الكريم قاسم، في 20 يوليه 1961، والتي حرصوا فيها أن تكون مطالبهم في صميم القضية الكوردية.

وهكذا، يلاحظ أن الفجوة بين وجهتَي النظر متباينة تبايناً تاماً، فالحكومة ترى ثورة الكورد، عام 1961، هي نتيجة تحريض خارجي، للضغط على العراق في ثلاث مسائل رئيسية، وهي: النفط، والكويت، والإصلاح الزراعي فضلاً عن معاقبة حكومة الانقلاب على إلغائها انضمام العراق إلى حلف بغداد، واتجاهه إلى الماركسية أما الكورد، فيرون ثورتهم رد فعل طبيعياً، في سبيل المطالبة بتحقيق آمالهم، وإصلاح أحوالهم، في كوردستان العراق.


شكل الصراع بين الجبهتين

اتخذ القتال بين القوات الحكومية و الكورد نمط الاشتباكات السابقة عينه، والمتمثل في قتال بالنيران، وهجمات محدودة، وكمائن و إغارات متفرقة، وحرق المزروعات واستطاعت العناصر الكوردية، من السيطرة على معظم مناطق كوردستان ، من زاخو، في أقصى الشمال، إلى مدينة السليمانية، عاصمة الكورد وكان من أسباب ضعف الحكومة في السيطرة على الموقف، هو انشغالها بالصراع في عدة جبهات، في وقت واحد، ولاسيما جبهة الكويت، التي أعلن عبد الكريم قاسم، أنها جزء من العراق.
وبدءاً من عام 1962 تداول الطرفان مَواقع القتال فخلال الربيع والصيف، تشن قوات الحكومة النظامية هجماتها الرئيسية، ضد معاقل الكورد، وتنجح في الاستيلاء على الأراضي، متوسطة الارتفاع، (جنوب المناطق الجبلية الوعرة، في شمالي العراق) بينما ينسحب المقاتلون الكورد، بقتال أو من دون قتال، إلى تلك المناطق الجبلية الوعرة، التي اعتادوا العيش فيها وفي بداية الخريف، وبدء تساقط الثلوج، يشن "البشمركة" الكورد هجماتهم الساحقة، ضد القوات الحكومية، ويجبرونها على الانسحاب، جنوباً واللافت أن استخدام القوات الحكومية الطائرات والمدفعية، في أعمالها القتالية لم يكن ذا تأثير يتناسب مع حجم استخدامها - نظراً إلى الطبيعة الجبلية الممتلئة بالغيران والكهوف والوديان، التي يلجأ إليها الكورد وتجعل تأثير النيران ضعيفاً، في الوقت عينه وقد تكبد سلاح الطيران العراقي خسائر كبيرة، في قتاله ضد الكورد، نظراً إلى اصطدام الكثير من الطائرات بالقمم الجبلية.



نتائج ثورة عام 1961

أهم هذه النتائج هي إضعاف موقف عبد الكريم قاسم في الداخل والخارج، وتشتيت جهوده ما بين الشمال والجنوب فأخفق في ضم الكويت، وفشل في إخماد ثورة الكورد، وعجز عن إثبات ذاته في نطاق القومية العربية، ولم ينجح في تدعيم تحالفه مع الاتحاد السوفيتي.
والنتيجة الثانية هي فقدانه السيطرة على الوضع الداخلي، مما أدى إلى نجاح تحالف القوميين العرب، في تنظيم انقلابهم، في 8 فبراير 1963.
والنتيجة الثالثة هي تنامي قوة الكورد في الشمال، وإثبات قدرتهم على التأثير في الوضع الداخلي بل تعدى الأمر ذلك، إذ إن نجاح ثورة 1961، أدى إلى لفت نظر بعض الجهات الأجنبية، إلى اتخاذ الكورد وسيلة للتأثير في الحكم العراقي، لمصلحتها.



انقلاب 8 فبراير 1963 (في ظِل حُكم الأخَوين عارف)

في 8 فبراير1963، نجح انقلاب الجبهة القومية في العراق، المكونة من التحالف القومي، والبعثيين القوميين، برئاسة المشير عبد السلام عارف الذي استولى على الحكم، وقبض على أقطاب الحكم السابقين، وشكل لهم محكمة عسكرية، دانتهم، وأعدم عبد الكريم قاسم وتولّى عبد السلام عارف رئاسة الجمهورية، ممثلاً تيار التحالف القومي وتولّى أحمد حسن البكر رئاسة الوزارة، ممثلاً تيار البعثيين القوميين.

ولم يكن تحالفهما تحالفاً إستراتيجياً، وإنما كان تحالفاً تكتيكياً، الهدف منه هو القفز إلى السلطة لذلك، بدأ كلٌّ من التيارين، يعمل على تحقيق مصالحه، منذ اللحظة الأولى لنجاح الانقلاب.

فمن الجانب البعثي، انطلق ما يسمى "الحرس القومي"، وهو ميليشيا عسكرية بعثية، دموية، تمارس عملها في الشارع العراقي، ونفّذت إعدامات، بالجملة، شملت الشيوعيين وأنصار عبد الكريم قاسم، وكل من يشتبه في عدم ترحيبه بالنظام الجديد، فضلاً عن مصادرة ممتلكاتهم في الوقت عينه، كانت الجبهة القومية ترصد تلك الإجراءات، وهي غير راضية عما يحدث ووجهت ضربتها، في 18 نوفمبر 1963، للقبض على البعثيين والمتعاطفين معهم ووضع أحمد حسن البكر في معتقل عسكري، وانفرد عبد السلام عارف بالسلطة، بعد تسعة أشهر من الانقلاب وشُكلت حكومة جديدة، في 20 نوفمـبر 1963، ضمت ضباطاً من البعثيين المعتدلين، والناصريين والمستقلين.

وقد شهد عام 1963 بداية جديدة لتطور المسألة الكوردية، إذ ظهرت معسكرات تدريب "البشمركة" الكورد، سواء في إيران أو في كوردستان العراق وتدفق الخبراء (معظمهم إيرانيون)، لتولّي مسؤولية التدريب، وتدفقت أسلحة جديدة، لم يكن يعرفها الكورد من قبْل، مثل المدافع المضادّة للطائرات في الوقت عينه، بدأت أحداث الصراع الكوردي - الحكومي، في العراق، تتصدر الإعلام الغربي.

وقد سارت الأمور في العراق في اتجاه قومي بشكل عام، وكان هناك أحداث مهمة، أثرت في مجريات الأمور، وخصوصاً ما يتعلق بالقضية الكوردية، وهي:

الاتجاه القومي العراقي إلى الوحدة بين مصر وسوريا والعراق، بمبادرة من العراق نفسه، إذ اجتمعت وفود الدول الثلاث، في أبريل 1963، وأقرت مشروع الدولة الاتحادية، ووقعه رؤساؤها.

إصدار الحكومة دستوراً مؤقتاً، جديداً، في 29 أبريل 1964، جاء فيه أن الشعب العراقي جزء من الأمة العربية، هدفه الوحدة العربية الشاملة.

تنحية البعثيين عن مراكز الحكم، في أكتوبر 1964، نظراً إلى عودتهم إلى الأنشطة المشتبه فيها.

موت الرئيس عبد السلام عارف، عام 1966، في حادث طائرة عمودية، وتولى مسؤولية الحكم شقيقه عبد الرحمن عارف واستمرت الحكومة العراقية على النهج السابق عينه.



انقلاب 17 يوليه 1968، وتولّى حزب "البعث" السلطة

معالجة الحكومة العراقية المسألة الكوردية:

نص البيان الأول للانقلاب على "تحقيق وحدة الشعب الوطنية، بما يتطلب تعزيز الأخوّة العربية ـ الكوردية، بما يضمن مصالحها القومية، ويقوّي نضالها المشترك ضد الاستعمار، واحترام حقوق الأقليات، وتمكينها من المساهمة في الحياة الوطنية".

واستجاب الحزب الديموقراطي الكوردستاني لهذه المبادرة، وأرسل برقية تأييد إلى مجلس قيادة الانقلاب الجديد، جاء فيها أنهم ينتظرون "من الحكام الجدد خطوات عملية، لحل القضية الكوردية، على أساس الحكم الذاتي، الذي يرسي قواعد أزلية للأخوّة العربية – الكوردية".

وفي اليوم التالي، أمر الملا مصطفى البارزاني بإيقاف النيران على جميع الجبهات، في كوردستان كما وصل جـلال الطالباني إلى بغداد، في 19 فبراير 1963، ممثلاً شخصياً للزعيم الكوردي لإجراء مفاوضات الصلح، التي كانت تهدف إلى أن تعلن حكومة بغداد اعترافها الصريح بحق الكورد في الحكم الذاتي، وأن يتم ذلك في مدة، أقصاها الأول من مارس 1963.

وقد استجابت الحكومة، مبدئياً، لهذا المطلب، وصدر بيان عن مجلس قيادة الانقلاب، في الموعد المحدد، ينص على "أن الثورة عازمة عزماً أكيداً على تصفية آثار الحكم القاسمي البغيض وإزالتها، بالعمل على تطبيق مشاركة جميع المواطنين في الوطن الواحد، وضمان حقوق إخواننا الكورد".

و في 4 مارس، بدأت المفاوضات بين حكومة العراق ووفد الكورد، برئاسة جلال الطالباني الذي عرض مطالبه التي تتلخص في الآتي:

1- الاعتراف بحق الكورد في الحكم الذاتي.
2- تشكيل مجلس تشريعي ومجلس تنفيذي كورديين.
3- تعيين شخصية كوردية نائباً لرئيس جمهورية العراق، على أن ينتخبه الكورد، ويكون مقره في بغداد.
4- تشكيل وحدة أمن كوردية، مقرها في كوردستان.
5- تخصيص حصة عادلة من الموارد المالية، لإنفاقها على مشروعات عمرانية، في كوردستان.
6- جعْل اللغة الكوردية لغة رسمية، إلى جانب اللغة العربية، في إقليم كوردستان.
واللافت أن هذه المطالب، تفوق كثيراً المطالب السابق تقديمها إلى حكومة عبد الكريم قاسم، إذ إن الكورد يطالبون بحكم ذاتي متكامل، عدا الدفاع والخارجية كما يريدون أن يشتركوا في إدارة السياسة العامة للدولة، من طريق نائب الرئيس ويعود ذلك إلى سببين:

1- هو نجاح الكورد في إثبات وجودهم، والسيطرة على معظم إقليم كوردستان، نتيجة السياسة الخاطئة لعبد الكريم قاسم تجاههم.
2- الدعم، المادي والمعنوي، الذي تلقاه الكورد من مصادر خارجية، أهمها إيران.

مع الرغبة في إيجاد تفاهم مع الكورد، أرسلت الحكومة، في 7 مارس 1963، وفداً شعبياً، لمقابلة الملا مصطفى البارزاني، وتهيئة الجو لمفاوضات مثمرة، واستبدال عبارة "الإدارة الذاتية" بعبارة "الحكـم الذاتي"، على أن تتخذ الحكومة عدة إجراءات في هذا المجال ونجح الوفد في مهمته وأصـدر مجلس قيادة الانقلاب، في 9 مارس 1963، بياناً، يقضي بإقرار الحقوق القومية للكورد، على أساس "اللامركزية".

وأعدت الحكومة المشروع القاضي بتقسيم العراق إلى ست محافظات، تكون إحداها في شمالي العراق، وهي السليمانية، وتتكون من ألوية أربيل والسليمانية ودهوك مما يعـني خروج مصادر النفط، في كركوك، من المنطقة الكوردية إلا أن الملا البارزاني رفض المشروع وقدم ثلاثة مطالب جديدة إلى الحكومة وهي:

1- إقامة جيش كوردي محلي، يشمل وحدات الشرطة.
2- يخصص 75% من عائدات النفط للحكم الذاتي الكوردي.
3- تضم منطقة كوردستان لواءَي الموصل وكركوك.

إزاء ذلك، توقفت المفاوضات، لاستحالة تنفيذ المطالب الكوردية، وإصرار الحكومة على ألا يتعدى مفهوم "اللامركزية" الشؤون الإدارية وتأجلت المفاوضات مع الكورد، مؤقتاً، ريثما تتضح نتائج مفاوضات الوحدة الثلاثية، بين مصر وسوريا والعراق.

ولكي تثبت الحكومة العراقية للكورد حسن نيتها، سمحت بسفر وفد، برئاسة جلال الطالباني، إلى القاهرة ليقدم مذكرة إلى الوفود، المشتركة في مباحثات الوحدة، التي بدأت في 8 أبريل 1963 واجتمع الوفد مع الرئيس الراحـل جمال عبد الناصر، أولاً، نظراً إلى ما يبديه من تعاطف مع القضية الكوردية، "لكنه لم يَعِد بشيء محدد" ثم قدم الكورد إلى الوفود المجتمعة مذكرة، جاء فيها:

1- إذا بقي العراق من دون تغيير في كيانه، يقتصر مطلب الشعب الكوردي، في العراق على البيان الصادر عن الجمهورية العراقية، في شأن الحقوق القومية للشعب الكوردي، على أساس اللامركزية.
2- إذا انضم العراق إلى اتحاد فيدرالي، يجب منح الشعب الكوردي، في العراق، حكماً ذاتياً، بمفهومه المعـروف، بعيداً عن أي تأويل.
3- إذا اندمج العراق في وحدة كاملة مع دولة عربية أخرى، يكوّن الشعب الكوردي، في العراق، إقليماً، مرتبطـاً بالدولة الموحَّدة، على نحو يحقق الغاية من صيانة وجوده، وينفي، في الوقت نفسه، الانفصال، ويضمن تطوير العلاقات الوثيقة، بين الشَعبين الشقيقَين نحو مستقبل أفضل.

وفي القاهرة وُقِّع ميثاق الدولة الاتحادية، في 17 أبريل 1963 وبعد أسبوع واحد، تقدم الوفد الكوردي المفاوض إلى الحكومة العراقية، في 24 أبريل 1963، بمشروع معدل لمقترحاته السابقة، أقلّ تشدداً من سابقَيه، ويتضمن الآتي :

1- أن يتضمن الدستور العراقي نصوصاً لجهاز تشريعي أعلى، للجمهورية ولرئيس الجمهورية والحكومة.
2- تنظيم الجهاز المختص بممارسة الشعب الكوردي لحقوقه القومية، في الأمور، التشريعية والتنفيذية والقضائية، في منطقة كوردستان.
3- استقلال منطقة كوردستان بماليتها الخاصة، المكونة من الموارد المحلية، فضلاً عن حصتها من الموارد العامة.
4- كون نائب رئيس الجمهورية كوردياً، ينتخبه الكورد.
5- تمثيل شعب كوردستان، في المجلس الوطني العراقي، بعدد من النواب، يتلاءم مع نسبة عدده إلى سكان العراق.
6- تطبيق "شرط" النسبة العددية، فيما يتعلق بعدد الوزراء والموظفين، والجامعات والكليات العسكرية، والشرطة.

وأبدت الحكومة العراقية استعدادها لقبول بعض المطالب فيما يتعلق باللغة الكوردية، وفتح مدارس جديدة، وجامعة كوردية، والإصلاح الإداري ولكنها لم تقبَل المطالب، العسكرية والمالية، على أساس أن وجود تشكيلات عسكرية كوردية، وحصول الكورد على الاستقلال المالي، قد يغريانهم بالتفكير في الانفصال.
وحيال فشل المفاوضات، تصاعد الصراع العسكري، مرة أخرى، بدءاً من يونيه 1963 ولكنه أخذ هذه المرة، منحى جديداً.

فقد نجحت الحكومة العراقية في تجنيد العشائر والمشايخ، المناوئين للبارزاني، وهي قبائل الزيباريين، وشكلت منهم قوات غير نظامية في الوقت عينه، شكلت قوة "فرسان صلاح الدين" وقوة "فرسان خالد بن الوليد"، من بعض رجال القبائل العربية، في لواء الموصل، وسلحتهم تسليحاً جيداً، لعرقلة أهداف البارزاني، وتشتيت قواه، داخل منطقة كوردستان نفسها كذلك، أرسلت سوريا قوات عسكرية، لمساندة الحكومة العراقية.

أما الكورد، فتدفقت إليهم المعونات، العسكرية والمادية، من إيران، فاستعدت "البشمركة" لمقاومة قوات الحكومة.

ومع استمرار القتال، والنذر بتوسعة مجالاته تدخل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وأوقف القتال، في فبراير 1964، قبل حلول الربيع، الذي يعطي الفرصة للقوات الحكومية لاستخدام المعدات، ومطاردة القوات المناوئة.

وتبادل الطرفان الأسرى، ورُفع الحصار، ووعدت الحكومة العراقية بحل المنظمات، شبه العسكرية، الكوردية، التابعة لها وعادت الإدارة العراقية إلى مناطق الكورد، ووضعت خطة لإعمارها، وساد فيها السلام، حوالي 20 شهراً متصلة.

وبصدور الدستور المؤقت، في أكتوبر 1964، رأى الكورد، أن ما ورد فيه، يُعَد انتقاصاً للحقوق، التي اكتسبوها من الدستور المؤقت لانقلاب 14 يوليه 1958 وقدم البارزاني مذكرة إلى الرئيس عبد السلام عارف، في 11 أكتوبر 1964، تتضمن مطالب هي:

1- حق الشعب الكوردي في الحكم الذاتي، ضمن جمهورية عراقية دستورية و ديمقراطية.
2- حل قوات الفرسان، "صلاح الدين وخالد بن الوليد"، وتجريدهم من السلاح وتسريحهم.
3- في حالة قيام وحدة أو اتحاد، بين العراق وأي قطْر عربي آخر، تصبح كوردستان إقليماً، يتمتع بالحقوق عينها، التي تتمتع بها أقاليم الوحدة أو الاتحاد ويلتزم بواجباتها نفسها.

ورأت الحكومة العراقية، أن هذه المطالب، هي تكرار لموقف كوردي متشدِّد وردَّت عليها بطلب حل قوات الأنصار الكوردية "البشمركة" و استمرت المباحثات تواجه ظروفاً صعبة، حتى أصدرت الحكومة العراقية تعديلاً للدستور المؤقت في 9 سبتمبر 1965م، وأصبحت المادة 19، تنص على أن "يقر هذا الدستور الحقوق القومية للكورد، ضمن الشعب العراقي، في وحدة وطنية متآخية".

ومع نهاية عام 1965، وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود وفي أوائل عام 1966، اشتعل القتال في الشمال، مرة أخرى وكان البارزانيون في وضع أفضل مما كانوا عليه، نتيجة لاستمرار الدعم، وتدريب العناصر الموالية لهم في الوقت عينه، كانت القوات الحكومية في وضع أسوأ، نتيجة لانتقال السلطة، واختلاف المفاهيم بين أعضاء القيادة العراقية وقد استغل الملا مصطفى البارزاني هذه الأوضاع، ووسع نطاق سيطرته على كوردستان، وأصبح زعيماً عاماً للعشائر الكوردية، إلى جانب زعامته للحزب الديموقراطي الكوردستاني.

وفي مواجَهة ذلك استمرت الحكومة العراقية على نهجها السابق عينه، في تجنيد العشائر الزيبارية وغيرهم من العشائر التي تناوئ البارزانيين وإغداق الأموال عليها، مع توجيه الضربات إلى الكورد البارزانيين بوساطة الطائرات والمدفعية، وإرسال القوات لإخضاعهم للسلطة.

وكانت النتائج النهائية لهذا الصراع في صالح البارزانيين، لتمكُّنهم من السيطرة على المناطق الجبلية الوعرة، لمعرفتهم بالتضاريس، التي تحقق الإخفاء أو المناورات الآمنة، والتأمين ضد القصف، الجوي والمدفعي، ولإتقانهم لحرب العصابات، وتسلُّحهم بأسلحة حديثة.

ولم تهدأ العمليات العسكرية، إلا في عقب بيان عبد الرحمن البزاز، رئيس الحكومة العراقية، الصادر في 29 يونيه 1966، والذي أكد فيه استعداد الحكومة لتنفيذ ما جاء في الدستور المؤقت، في أبريل 1964، وتعديلاته فيما يتعلق بحقوق الكورد القومية، وتنفيذاً لذلك، صدر قانون المحافظات، على أساس من اللامركزية في إدارة الشمال، بأن يكون لكلِّ لواء، ولكلِّ قضاء، ولكل ناحية، شخصية معنوية معترف بها وأكد البيان استعداد الحكومة للاعـتراف باللـغة الكوردية، وتمثيل الكورد في المجلس الوطني، ومشاركتهم في الوظائف المدنية العامة، وأن تخصـص الحكومة جزءاً كبيراً من ميزانيتها، لإعمار منطقة كوردستان، كما أيدت الحكومة إنشاء جامعة في السليمانية، ووعدت بالاستقلال الإداري للمناطق الكوردية، مقابل أن يسلم الكورد سلاحهم.

وفي نهاية هذه المرحلة من الجمهورية العراقية الثانية، بدا الملا مصطفى البارزاني، وكأنه ملك لكوردستان غير المتوج ، فيجتذب الشباب الكورد، الذين انخرطوا في الحزب الديموقراطي الكوردستاني بل حاول أن يظهر بمظهر المحرر لكل العراق، فطالب بالديموقراطية الكاملة، والحياة البرلمانية، في كل أنحاء العراق وتبنى قضية الأقليات، القومية والدينية في العراق.

وفي 17 يوليه 1968، أطاح البعثيون حكم عبد الرحمن عارف في العراق، وبدأت المسألة الكوردية مرحلة جديدة.



القضية الكوردية، في ظِل حُكم حزب "البعث" العراقي


الانقلاب البعثي في 17 يوليه 1968


تمكن البعثيون من تجميع قواهم ، وبادروا إلى انقلاب، في 17 يوليه 1968، بقيادة الرئيس أحمد حسن البكر ولم يكن الأمر غريبـاً، لأن البعثيين كانوا متحالفين مع القوميين، في انقلاب 1963 و لكن الرئيس عبد الرحمن عارف، أطاح جزءاً منهم، في نوفمبر من العام نفسه، وأبقى المعتدلين، ثم تخلص منهم جميعاً عام 1964 مما أدى إلى أن يتحـالف عليه الجميع، و يطيحوه ، في 17 يوليه 1968 وهكذا، يظهر أن هدف الانقلاب الرئيسي، هو الوصول إلى السلطة ومنذ اللحظة الأولى، اتخذت الحكومة الجديدة العديد من القرارات السياسية، في مصلحة الكورد، بهدف الحفاظ على وحدة الشعب العراقي، ومواجهة المتغيرات العديدة في المنطقة، وتنفيذ أهداف حزب "البعث" ذي الطموحات القومية الواسعة.
ففي البيان الأول، الصادر عن الحكام الجدد، في 17 يوليه 1968، لم يغب عنهم المسألة الكوردية، إذ ذكر البيان "أن الحكام السابقين أهملوا، متعمدين، الاستقرار والأمن الداخلي في ربوع الوطن ولم يتقدموا خطوة إيجابية واحدة، لحل القضية الكوردية وأن الثورة عازمة على تحقيق الوحدة الوطنية، وإنهاء مشكلة الشمال، بحكمة ودراية، وبروح طابعها مصلحة الوطن، وضمان أمنه واستقراره ورفاهيته، وصيانة وحدته الوطنية".
ثم صدر الدستور المؤقت، في 21 سبتمبر 1968، فألغى الدستور المؤقت السابق، الصادر عن الرئيس عارف فقد نصت المادة 21، من الباب الثالث، على أن العراقيين "متساوون في الحقوق والواجبات، أمام القانون، لا يميز بينهم، بسبب الجنس أو العِرق أو اللغة أو الدين، ويتعاونون في الحفاظ على كيان الوطن بمن فيهم العرب و الكورد، ويقرر الدستور حقوقهم القومية، ضمن الوحدة العراقية".
وفي نهاية عام 1968 عقد المؤتمر القطْري السابع لحزب "البعث" - ومقررات هذا الحزب، في عُرف العراقيين تعادل نصوص الدستور- وأكدت قراراته حق الكورد في التمتع بحقوقهم القومية، في إطار وحدة الشعب والوطن والنظام الدستوري، وأن المشكلة الكوردية، يجب أن تُحل حلاً سلمياً، حتى لا تستغلها القوى الخارجية، للتدخل في شؤون العراق، والضغط عليه وأن عدم قدرة العهود الماضية على تفهّم المشكلة، وعدم الرغبة الصادقة في حلها، علاوة على التدخل الخارجي، زادت المشكلة تعقيداً، حتى إنها كادت تستعصي على الحل، بعد أن حل العنف، منذ عام 1961، في معالجتها، بدلاً من الحوار الديموقراطي، الذي تستوجبه طبيعة المشكلة، التي تتضمن حقوقاً عادلة، لجزء من الشعب العراقي.



الصراع الكوردي – البعثي

كان وضع الكورد، مع بداية الانقلاب الجديد، مختلفاً تماماً عنه مع الانقلابات السابقة، وكان الملا مصطفى البارزاني، يبدو وكأنه رئيس كوردستان غير المعلَن وكان التحالف، بين الكورد وبعض الدول الأخرى، وخصوصاً إيـران، تحالفاً متيناً، يحقق هدف الكورد، في تلقّي المساعدات المادية، والأسلحة وتدريب المقاتلين، كما يحقق هدف الدول الأخرى، في الحفاظ على مصالحها في المنطقة، سواء بتوفير النفط أو بإضعاف العراق نفسـه، واللافت هو ذلك التفاهم الضمني، المطبق، فعلياً، دونما أي اتفاق مسـبق، بين أطراف ثلاثة، هي: الحكومة العراقية، و الكورد، وشركة نفط العراق، فحواه أن يبتعد القتال عن أي منشـآت نفطية، من آبار ومحطات استخراج، أو ضخ، فضلاً عن خط الأنابيب، الممتد من كركوك إلى الأراضي السورية وفي سبيل ذلك، كانت شركة نفط العراق تتعاطف، بحرص شديد، مع الكورد، رغبة في استنزاف الحكومة العراقية، بينما كانت تبدي لتلك الحكومة "قلقها" من استمرار تدهور الأوضاع في الشمال.

ومع بداية الانقلاب، لم يستجب الكورد لبيانه الأول، واستمروا في الإجراءات المناوئة للحكومة لذلك، اندلع القتال، عنيفاً، بدءاً من أكتوبر 1968، وبعد شبه توقف، منذ يونيه 1966 ولم يكن القتال، هذه المرة، كالمرات السابقة، إذ أدارت الحكومة البعثية دفة الحرب، بأسلوب دموي عنيف، على الرغم من حلول الخريف والشتاء، فشارك الجيش والطيران في القتال، على نطاق واسع وعلى الرغم من الخسائر الشديدة، وتدمير العديد من القرى الكوردية، وإبادة معظم سكانها إلا أن الحكومة، لم تتمكن من السيطرة على المنطقة الكوردية، لأسباب عديدة، منها وعورة المنطقة الجبلية، واستبسال الكورد في الدفاع عنها، وشن الهجمات الفدائية، وقطع الطرق و خلافه.

و قد تغيرت المعطيات في هذه المرحلة، نتيجة عاملَين:

1- انحياز حكم "البعث" العراقي إلى المعسكر الشرقي، مما أشعر الكورد، أن هذا الانحياز يأتي على حساب القضية الكوردية، فتغيرت مواقفهم تجاه إيران، واستطراداً، نحو الولايات المتحدة الأمريكية، لإمدادهم بحاجتهم، العسكرية والمادية.
2- تصاعد الخلاف العراقي - الإيراني حول الحدود المشتركة، في شط العرب، وسعي طهران إلى إضعاف الحكومة العراقية، واضطرارها إلى توجيه جهودها نحو الشمال، حرصاً على قوة الموقف الإيراني في الجنوب.

وفي أكتوبر 1969، ومع اهتمام الإعلام الغربي بالقضية الكوردية، تقدَّم الكورد بمذكرة إلى الأمم المتحدة يشتكون فيها "الحرب العنصرية، التي يشنها حكام العراق ضد الشعب الكوردي" واتهمت المذكرة الحكام البعثيين بمحاولة إبادة الشعب الكوردي، ومحوه محواً تاماً، كشعب يسعى إلى الاحتفاظ بلغته وثقافته وقوامه القومي وشملت المذكرة بعض الملاحق بالنصوص المتضمنة حقوق الكورد، منذ معاهدة سيفر Sèvres، عام 1920 واحتوى الملحق السادس على التنديد بالوضع، الصحي والتعليمي، في كوردستان العراق وشمل الملحق السابع وقائع عن "الحالة المؤسفة، التي يعيشها المسيحيون العراقيون، تحت الحكم البعثي".
وقد دفعت الحملة الإعلامية الدولية إلى تحرك الإدارة العراقية إلى صدور قرار مجلس قيادة الانقلاب إلى إصدار القرار الرقم 677، في 25 نوفمبر 1969، بتشكيل لجنة، برئاسة اللواء الركن صالح مهدي عماش، عضو قيادة الانقلاب، لمتابعة تنفيذ كافة القرارات الصادرة عن المجلس، في شأن الأمور المتعلقة بالقضية الكوردية، رغبة في تخفـيف حّدة القتال وقد اتخذت الحكومة العراقية عدة إجراءات، لإثبات حُسن نياتها تجاه الكورد، وأصـدرت عفواً شـاملاً عن جميع المدنيين والعسكريين، الذين اشتركوا في أعمال العنف، في كوردستان و أصدرت قانون المحافظات، المتضمن لامركزية الإدارة المحلية، وإنشاء محافظة "دهوك" وتقرر إنشاء جامعة السليمانية، ومجمع علمي كوردي، وإنشاء مديرية الثقافة الكوردية، وجعل عيد النوروز عيداً وطنياً، في العراق وهذه القرارات تشمل الوعود السابقة للحكومات المتعاقبة، علاوة على بعض العناصر الجديدة.



بيان 11 مارس 1970

مع استمرار المفاوضات بين الحكومة و الكورد بادرت الحكومة إلى إعلان بيان 11 مارس 1970، الذي يقنن حقوق الكورد القومية، على مستوى الدولة، ويشعر الكورد بأنهم جزء من الوطن العراقي، وأن المسألة السياسية في الصراع العربي - الكوردي، هي في طريقها إلى الحل.

النقاط الرئيسية في بيان 11 مارس
ويشمل هذا البيان العديد من الإجراءات الإصلاحية و اتُّفق على أن يصدر بها تعديل في الدستور المؤقت، كما يتضمنها الدستور الدائم للعراق، عند إصداره وهي تشمل إجراءات، سياسية وإدارية، وثقافية، وعلمية، أهمها:

- تكون اللغة الكوردية لغة رسمية، مع اللغة العربية، في المناطق الكوردية وتدَّرس اللغة العربية في كافة المدارس الكوردية كما تدَّرس اللغة الكوردية (كلغة ثانية) في كافة أنحاء العراق، وفي الحدود التي يعيِّنها القانون.
- يشارك الكورد في الحكم، دون تمييز بينهم وبين غيرهم، في تولّي الوظائف العامة، والمهمة في الدولة، كالوزارات وقيادات الجيش وغيرها، وبنسب عادلة، مع مراعاة مبدأ الكفاءة، ونسبة السكان، وما أصاب الكورد من حرمان، في الماضي.
- نظراً إلى التخلف اللاحق بالقومية الكوردية، في الماضي، من الناحيتَين، الثقافية والتربوية، يجب وضع خطة لمعالجة هذا الوضع، من طريق الإسراع في تنفيذ قرارات مجـلس قيادة الانقلاب، حول اللغة والحقوق الثقافية للشعب الكوردي، والتوسع في فتح المـدارس في المنطقة الكوردية، والتوسع في قبول الطلبة الكورد في الجامعات والكليات العسكرية والبعثات الدراسية، بنسب عادلة.
- يجب أن يكون تعيين المسؤولين والموظفين، في لوحدات الإدارية، ذات الأغلبية الكوردية، من الكورد أو ممَّن يحسنون اللغة الكوردية.
- النهوض بالمنطقة الكوردية، في جميع المجالات، وتخصيص ميزانية مالية لتحقيق ذلك و تحديد خطة اقتصادية، للتطوير المتوازن، لكل مناطق العراق.
- يتكون الشعب العراقي من قوميتَين رئيسيتَين، هما القومية العربية والقومية الكوردية ويقر الدستور حقوق الشعب الكوردي القومية، وحقوق الأقليات الأخرى، ضمن الوحدة العراقية.
- الإسراع في تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، مع إعفاء الفلاحين من الديون المتراكمة عليهم.
- يكون أحد نواب رئيس الجمهورية، كورديا.ً
- حـق الكورد في إنشاء منظمات شعبية و تكون هذه المنظمات أعضاء في المنظمات الوطنية العراقية المشابهة و يعدَّل قانون المحافظات، لينسجم مع مضمون بيان 11 مارس 1970.
- استغلال الثروات الطبيعية في منطقة الحكم الذاتي، سيكون في إطار الجمهورية العراقية.
- يسهم الكورد في السلطة التشريعية، وفقاً لنسبة عددهم إلى عدد سكان العراق.

وقد تحددت أربع سنوات، كفترة انتقالية، لتنفيذ البيان، وتولّي الكورد سلطة الحكم الذاتي، في كوردستان العراق.


مصداقية الحكومة العراقية في تنفيذ بيان 11 مارس 1970

يُعَدُّ البيان التزاماً من الحكومة، لتحقيق هدفين:

الأول: تحقيق مطالب الكورد، في شأن حقوقهم القومية المشروعة، ضمن نطاق العراق الموحَّد.
الثاني: فرض مركزية السلطة، وترسيخ الوحدة الوطنية بين عنصرَي الأمة الرئيسيَّين.

واستمراراً لأسلوب حزب "البعث"، فقد حاول التخلص من الملا مصطفى البارزاني، باغتياله.
وكانت المحاولة الأولى في سبتمبر 1971، في موطنه "صلالة" ولكنها فشلت، فسارعت الحكومة إلى استنكار الجريمة، وأنكرت أي صلة لها بها.
أما المحاولة الثانية، فكانت في يوليه 1972، وفشلت، كذلك، وتصرفت الحكومة إزاءها تصرفها إزاء المحاولة الأولى.

إلا أن الحكومة نسبت المحاولتَين، بعد فترة، إلى ناظم كراز رئيس مصلحة الأمن العام العراقي، خلال محاكمته، إثر محاولة انقلاب فاشلة، والحكم عليه بالإعدام.

في الوقت عينه، ركز حزب "البعث" في أمرين مهمَّين:

- إيجاد أكبر قدر من التصدع في جبهة الحزب الديموقراطي الكوردستاني، واصطناع قيادات وأحزاب كوردية، منافسة للبارزاني.
- تهجير أعداد كبيرة من العرب، البعثيين، إلى مناطق الكورد الآمنة، مع توفير أراضٍ للبناء، بالمجان، ومنحهم وظائف رسمية، للاستقرار هناك، بهدف الإخلال بالتركيبة السكانية في مصلحة العرب، وخصوصاً في المناطق النفطية.

ومع استمرار القتال، وفي محاولة لانفراج الأزمة، بادرت الحكومة إلى التفاوض الثلاثي، بين الأحزاب الثلاثة: "البعث" والشيوعي والديموقراطي الكوردستاني، في سبيل إيجاد مخرج للقضية وبدأت هذه المفاوضات في نهاية عام 1972 واشترك فيها بعض الشخصيات، العربية و الكوردية، المهتمة بالقضية، إلى جانب الأحزاب الثلاثة ولكن هذه المفاوضات فشلت، نتيجة تقديم الحزب الديموقراطي الكوردستاني مشروعاً مضادّاً، رأت الحكومة أنه بعيد جداً عن فلسفة الحكم الذاتي إذ طالب بإدخال مناطق جديدة في إطار الحكم الذاتي، من بينها منطقة كركـوك النفطية، وبعض المناطق الأخرى، التي لا يشكل فيها الكورد أغلبية وكان رفض الحكومة من منطلق أن "كوردستان وحدة إدارية، لها شخصية معنوية، تتمتع بالحكم الذاتي، في إطار الوحدة، القانونية والسياسية والاقتصادية، للعراق الموحَّد".

بينما كان المشروع الكوردي يطالب بنظام أقرب إلى الوزارات المستقلة، مما قد يؤدي إلى نشوء كيان كوردي منفصل عن العراق.

كما تقدم الجانب الكوردي بعدة مطالب، وهو يدرك، مسبقاً، أن الحكومة سوف ترفضها ومنها:

- إصدار كل القوانين، من خلال المجلس الوطني.
- كون الشرطة في كوردستان، خاضعة لسلطة الحكم الذاتي.
- إلغاء مجلس قيادة الانقلاب.
- إنشاء هيئة رقابة متبادلة، على دستورية القوانين.

ومع تعثر المباحثات، اقترح الجانب الكوردي، أن تطرح صيغتا المقترحات، الحكومية و الكوردية، على الشعب لاختيار أفضلهما ولكن حكومة العراق رفضت ذلك، وتمسكت بالمشروع الذي قدمته.
وبحلول عام 1974، وهو العام الذي يطبق فيه الحكم الذاتي، وفقاً لبيان 11 مارس 1970، عقدت أول جلسة مباحثات، حول مشروع الحكم الذاتي، في 16 يناير 1974، بين ممثلي الجبهة الوطنية في العراق وممثلي الحزب الكوردستاني وكان رئيس وفد الجبهة الوطنية هو صدام حسين، وضم الوفد بعض أعضاء مجلس قيادة الانقلاب، وبعض الكورد المستقلين.
وكان من الواضح، منذ بداية المباحثات، أن اتجاه كل جانب مختلف عن اتجاه الجانب الآخر فبينما كان وفد الجبهـة متمسكاً بما جاء في بيان 11 مارس، والقرارات التالية المنفذة لبنوده، كان رأي الحزب الديموقراطي الكوردستاني، أن الظروف تغيرت، في خلال أربعة سنوات كاملة، مرت على إصدار هذا البيان، ولا بدّ من مراعاة المتغيرات.
وأدت الاختلافات في المباحثات، حتى، في 2 مارس 1974، إلى مقاطعة الوفد الكوردي الاجتماعات, عندئذٍ، قرر وفد الجبهة، أن يشرع قانون الحكم الذاتي في موعده المحدد، 11 مارس 1974، بعد مرور السنوات الأربع، المنصوص عليها، كمرحلة انتقالية، في بيان 11مارس 1970.
ومع استمرار جهود الوساطة، أرسل الملا البارزاني، في 9 مارس، ابنه، إدريس، إلى بغداد، حاملاً رسالة إلى حكومتها، التي فاوضها، وحمل ردها، إلى والده فأجاب الملا، في برقية، باسم الحزب الديموقراطي الكوردستاني، جاء فيها: "إن ما قدمناه، هو ما نعتقده صحيحاً وعليه، فليس لدينا مقترحات جديدة وسنلتزم، من جانِبنا، بما يحفظ القانون" "ولقد فهمت الحكومة من هذه البرقية، أنها تشير إلى أن الحزب الديموقراطي الكوردستاني، سيستفيد من مهلة الخمسة عشر يوماً، اللاحقة على إعلان القانون".
وقد سارت الحكومة في إجراءاتها، لتنفيذ بيان 11 مارس 1970 فعُدِّل الدستور المؤقت، ثم صدر بيان مجلس قيادة الانقلاب، حول الحكم الذاتي، في 11 مارس 1974، أعقبه صدور بيان سياسي، تضمن "(أن قانون الحكم الذاتي، هو تأكيد لروابط المواطنة والأخوّة التاريخية، بين أبناء العراق، من العرب و الكورد و الأقليات المتآخية، وتطبيق لبيان 11مارس 1970 وما تضمنه ميثاق العمل الوطني و أن تطبيق الحكم الذاتي، على أسس ديمقراطية، يوفر السبُل لممارسة الحقوق القومية المشروعة)".

وفي 12 مارس 1974، دعت الحكومة قيادة الحزب الديموقراطي الكوردستاني إلى الانضمام إلى الجبهة الوطنية، إلا أن الرد كان الرفض التام لما أقدمت عليه الحكومة المركزية وتحسباً لما سيحدث، فقد اتخذت الجبهة استعداداتها للحرب بينما "صعد الكورد إلى الجبال".

وقد شهدت هذه المرحلة متغيرات عدة، أدت إلى هذا الوضع أهمها:

- إجراءات تأميم النفط العراقي، مع تصاعد أسعاره تصاعداً مطرداً، مما جعل منطقة كركوك ذات ميزات، اقتصادية وإستراتيجية تغري كل طرف بضمها إليه.
- تصاعد الرغبة الإيرانية في سرعة إنهاء مشكلة شط العرب، في مصلحة طهران.
- انتقام شركات النفط من الحكومة العراقية، بخلق مشاكل كبيرة لها، وذلك للجوئها إلى التأميم.

إجراءات الحكومة العراقية لتنفيذ بيان 11 مارس

- أجـرت تعديلاً وزارياً، عينت، بموجبه، عبد الله، الابن الأكبر للملا مصطفى البارزاني، وزيراً وجعلت ذلك دليلاً على وجود أشخاص من عائلة الملا، يتجاوبون مع سياستها في منطقة كوردستان.
- في 21 أبريل 1974 عينت الدبلوماسي طه محيي الدين معروف، سفير العراق في رومانيا، آنئذٍ، نائباً كوردياً لرئيس الجمهوري.
- في 25 أبريل 1974، أصدرت بياناً أكدت فيه تصميمها على تنفيذ قانون الحكم الذاتي، وأنها لن تتفاوض، بعد ذلك، مع الملا مصطفى البارزاني، بل ستستأصله هو وجماعته.


ثورة 1974

بحلول أغسطس 1974، بلغت الحرب الكوردية - الحكومية مستوى، لم تبلغه من قبْل، سواء من جهة اتساع المسرح، أو ضراوة القتال، أو أنواع الأسلحة لدى الطرفين وقد كان لشاه إيران دوراً كبيراً في إمداد الكورد بكل ما يحتاجون إليه من أسلحة كذلك، استقبال إيران، الفارّين من القتال الضاري في منطقة كوردستان، إذ لجأ حوالي 130 ألف كوردي، كلهم من النساء والأطفال والشيوخ أما الشبان الهاربون، فكانوا يجندون، ويُعادون للقتال ضد القوات الحكومية.
وأصبح القتال، بحدّته هذه، عبئاً ثقيلاً، على الكورد والعراقيين والإيرانيين، في وقت واحد.
أدت وسـائل الدعاية الغربية إلى اتساع نشاط الإعلام، في نقل صور القتال، ودفع الرأي العام، الإقليمي والعالمي، إلى مشاهدة حرب، بالوكالة، وبين أطراف شعب واحد.
ودفع ذلك بعض القيادات العربية إلى إيجاد حل لهذه المشكلة.



اتفاقية الجزائر و وقف إطلاق النار

نشطت الجزائر في وساطة بين كلٍّ من العراق وإيران، لوقف القتال في كوردستان العراق.
في 6 مارس 1975، في خلال انعقاد مؤتمر دول الأوبك، في العاصمة الجزائرية، وُقِّعت اتفاقية بين حكومَتي العراق وإيران، وقعها كلٌَ من صدام حسين، نائب رئيس جمهورية العراق، وشاه إيران.
و تنص الاتفاقية على تسوية مشاكل الحدود، و خصوصاً "تقسيم شط العرب" وتلتزم إيران بعدم تقديم مساعدات إلى الكورد العراقيين، في الشمال، وبإغلاق حدودها مع العراق في وجْه أي أنشطة عدائية للعراق.
وكانت هذه الاتفاقية، التي التزم الطرفان بتنفيذ بنودها، هي النهاية الحقيقية للتمرد الكوردي، في شمالي العراق وفر الملا مصطفى البارزاني إلى طهران، ومنها انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث عاش لاجئاً سياسياً، حتى وافته منيته.
حلول فجر 13 مارس 1975، أعلنت الحكومة العراقية وقفاً شاملاً لإطلاق النار.

أعلن العراق عفواً شاملاً عن جميع الكورد، الذين يسلمون أسلحتهم وأنفسهم، حتى أول أبريل 1975.

إحكام سيطرة الحكومة على كوردستان العراقية

تواصلت حركة إعمار كوردستان، وتوالى، كذلك، تهجير الكثير من الأُسَر العربية إليها.
تولّت الحكومة السلطات الإدارية الكاملة في كوردستان، ولو أنها اصطدمت، في البداية، ببعض العقبات، التي أمكن تذليلها وتغلغل حزب "البعث" في المناطق الكوردية بعناصره، العربية و الكوردية.
أعادت الحكومة العراقية تمركز القوات المسلحة، لتضع بعض الوحدات في منطقة كوردستان ، و ليتنامى حجمها، إلى أن وصلت إلى قوة فيلق (بين فرقتَين وثلاث فرق مشاة مدرعة) بهدف إحكام السيطرة العسكرية، و السرعة في إخماد أي ثورات جديدة، قد تحدث, كما أنشأت العديد من المطارات العسكرية في المنطقة، وبالقرب منها.



-تأثير الحرب العراقية - الإيرانية (1980-1988) في المسألة الكوردية

لا شك أن إيران حاولت تحريك الكورد في مصلحتها ولكن إجراءات الأمن الشديدة، في المنطقة الكوردية، لم تمكن إيران (الثورة) من تنفيذ ما نفّذه شاه إيران، في أوائل السبعينيات.
كانت الحـرب العراقية / الإيرانية حرباً نظامية، وكذلك، شبه نظامية، تمتد على مواجَهة أكثر من ألف كم ومع ذلك، اسـتغلت إيران منطقة حاجي عمران الكوردية، في جعلها، لفترات طويلة، جيباً عراقياً محتلاً من قِبل القوات الإيرانية وكانت قد احتلَّت عبْر تجنيد بعض العناصر الكوردية الموالية لإيران، نظراً إلى الصعوبات التي تمثلها هذه المنطقة، بالنسبة إلى أي قوات تحاول استعادة السيطرة عليها.
كما أمعن العراق في الدعاية المضادّة لقصف إيران منطقة "مندلي"، وهي منطقة حدودية، يسكنها أكراد شيعة، بهدف تأليب الكورد والشيعة معاً، على إيران.



الخلاف الكوردي - الكوردي، أثناء الحرب العراقية – الإيرانية

عمّقت الحرب العراقية - الإيرانية هوة الخلاف بين الحزبَين الرئيسيَّين في كوردستان فاتجه الحزب الديموقراطي الكوردستاني، بقيادة مسعود البارزاني، نحو إيران إلى درجة إعلان تحالف بينهما، عام 1983، وحاول البارزاني، من أجْله، بتوحيد جهود الكورد في شمالي العراق، للضغط على الحكومة العراقية وإجبارها على تقديم تنازلات للكورد بينما اتخذ حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني، بقيادة جلال الطالباني، موقفاً مغايراً، ففتح قنوات اتصال مع النظام العراقي، بل إن الحكومة العراقية، استغلت هذا التقارب في تشجيع الطالباني على إثارة أكراد إيران، بقيادة عبد الرحمن قاسملو، ضد حكم آيات الله في إيران، استنزافاً للجهود الإيرانية، من الداخل.
وعموماً، فإن كلا الحزبين، قد فشل في تحالفاته.

- فالحزب الديموقراطي الكوردستاني، على الرغم من تحالفه مع إيران، وتبنِّي وجهة نظرها، للضغط على الحكومة العراقية، لم ينجح في إقناع طهران بتسليمه منطقة حاجي عمران الحدودية، إذ أصرت إيران على السيطرة عليها، بوساطة القوات التابعة للجبهة الإسلامية.
- فشل حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني في مباحثاته مع الحكومة العراقية، للتوصل إلى صيغة مقبولة للحكم الذاتي، على الرغم من سياسته الاعتدالية نحو الوطن الأم ومساعدته على إثارة أكراد إيران ضد حكومتها.

والنتيجة النهائية هو تصاعد الخلاف بين الحزبَين الرئيسيَّين في كوردستان، مما أضعف تأثيرهما في الحكومة المركزية، وأدى إلى تفجير الصراع الكوردي - الكوردي وسمح للقوى الأجنبية بالتغلغل في داخل فصائل الكورد، وكل ذلك، كان ضد مصلحة القضية الكوردية نفسها.
وباستثناء أحداث أمنية قليلة، ومسيطر عليها ، فقد تأكدت سيطرة الحكومة المركزية في العراق على منطقة كوردستان، طوال حقبة الثمانينيات.



استخدام الأسلحة الكيمائية ضد الكورد – حلبجة 1988

بانتهاء الحرب بين إيران والعراق، في أغسطس عام 1988م، برزت ردود فعل، ما بعد الحرب، والتي تتخذ، غالباً، صورة تصفية حسابات، أو محاولة تحقيق مطالب مؤجلة وهو ما حدث، خلال الربع الأخير من عام 1988، حين صعّد مسعود البارزاني الموقف في الشمال، وهو الذي كان الرئيس صدام حسين يهدف إلى معاقبته، أصلاً، على موقفه أثناء الحرب، إذ كان يميل إلى التحالف مع إيران، أكثر من التزامه بوطنيته، كعراقي.
لذلك، كان الرد الحكومي العراقي قاسياً إلى أبعد الحدود عزم الرئيس السابق صدام حسين، من خل، "لم على إنهاء المشكلة من جذورها، فوجّه الطيران العراقي ليحيل مناطق كوردية كاملة إلى دمار شامل، ثم استخدم "الغازات الكيماوية"، التي كان يمتلك منها الكثير، خلال فترة الحرب، ضد مناطق كوردية ، في "حلبجة" و خورمال و غيرها عشرات القرى الكوردية.
وثارت، وقتها، ردود فعل دولية عنيفة،"لم تخرج عن حدود الإدانة الأدبية" وقد واجهت الحكومة العراقية ذلك بنفي استخدام الغازات الحربية.
وطغى على هذه القضية، تسارع المواقف السياسية في المنطقة، التي امتزجت باحتفالات العراق بالنصر ثم أعقبها، بعد عامين فقط، حرب الخليج الثانية، أو حرب تحرير الكويت، التي غيرت وجْه المنطقة.



القضية الكوردية، عقب حرب تحرير الكويت و انتفاضة 1991

عقب انتصار العراق في الحرب العراقية - الإيرانية، سعت إيران إلى دفع الفصائل الكوردية إلى توحيد جبهتها، مرة أخرى، بهدف استخدامها ضد صدام حسين لذلك، عقد في كولون، في ألمانيا، في يناير 1990، مؤتمر كوردي، يهدف إلى توحيد الجهود، والعودة إلى النضال، في سبيل تحقيق الحكم الذاتي لمنطقة كوردستان وكان التنسيق الرئيسي بين الحزبَين الكبيرَين: الديموقراطي الكوردستاني، بقيادة مسعود البارزاني، والوطني الكوردستاني، برئاسة جلال الطالباني.
بعد هزيمة العراق في حرب تحرير الكويت، انطلقت انتفاضة كوردية شاملة، في مارس 1991، تطالب بالحصول على حكم ذاتي وشهدت مدن السليمانية، ودهوك، و أربيل، موجة عنف شديدة، بين الثوار الكورد والسلطات الأمنية الحكومية.

وكان رد الفعل المركزي العراقي شديداً، بتدخل القوات المسلحة، بشقَّيها، البري والجوي، لإنهاء هذه الانتفاضة ونجحت، فعلاً، في تكبيد الكورد خسائر كبيرة واستفاد الكورد من تحالفاتهم الغربية، التي اتخذتهم ورقة للضغط على الحكومة العراقية إذ تقدمت دول التحالف، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، إلى مجلس الأمن بمشروع لاستصدار القرار 688، في 5 أبريل 1991، بتشكيل قوة لتوفير الحماية للكورد، ولإعادة الاستقرار، وإنهاء القمع، الذي يتعرض له الكورد، في شمالي العراق وتكونت هذه القوة من وحدات، أمريكية وبريطانية وفرنسية، وتحدد لها ثلاثة أشهر، لتنفيذ مهمتها وانسحبت في نهاية يوليه 1991، تاركة مجموعات من المراقبين ومع انسحابها، أُعلن إنشاء منطقة أمنية كوردية، يحدها خط العرض 36 درجة شمالاً، ويحظر على الطائرات العسكرية العراقية الطيران فوقها، كما يمنع بقاء أي قوات عسكرية، أو قوات أمن خاصة عراقية فيها.
ومنذ تلك اللحظة ، وجد الكورد أنفسهم يخطون أولى خطواتهم، نحو تحقيق الحكم الذاتي لإقليم كوردستان، وخلق وطن كوردي مستقر، تتوافر فيه ضمانات حقوق الإنسان، والعمل السياسي الديموقراطي، الذي يضطلع به الكورد أنفسهم، بما يساعد على نضج التجربة الكوردية، التي طال كفاحها من أجْل الاعتراف بقومية كوردستان.
ولم يكن وضع الكورد، بدءاً من يولـيه 1991، هو الوضع المثالي، بالنسبة إلى الكورد أنفسهم، أو إلى دول الجوار وظهر العديد من المتغيرات، التي أثرت في الموقف الكوردي - الكوردي، وأشعلته، إلى جانب تأثيرها في المواقف المختلفة لدول الجوار، والتي كان لكلٍّ منها موقف مستقل أو بالتنسيق مع سواها، في مواجَهة الموقف الجديد بيد أن جميع القوى، الإقليمية والعالمية، تبنّت موقفاً رئيسياً، وهو عدم السماح بنشوء دولة كوردية مستقلة، في هذه المنطقة.



مواقف القوى الكوردية من قضية الحكم الذاتي

على الرغم من الكفاح الكوردي المتواصل، فترات طويلة، على مراحل سياسية واجتماعية متباينة، إلا أن الكورد، لم يكونوا مهيئين، على أي مستوى، للاستفادة من الموقف المفاجئ، الناجم عن انكسار العراق في الحرب، والذي آذن بتحقيق الحكم الذاتي لذلك، فإن خطواتهم في مسيرة هذا الحكم، اتصفت بالعشوائية، ومحاولة حصد المكاسب العشائرية، على حساب كوردستان نفسها.
نظراً إلى وجود حزبَين كبيرَين، فقد بدأ التنافس بينهما، منذ اللحظة الأولى وما لبث أن استحال صراعاً، أعاد إلى الذاكرة صراعاتهما القديمة، منذ السبعينيات، إذ تطور من صراع مبادئ إلى صراع مسلّح.
وزاد من حدّة هذا الصراع، أن توجهات الحزبَين مختلفة، بل إن انتماءاتهما وتحالفاتهما مختلفة، كذلك وتخضع، باستمرار، للتوجهات القَبلية والعشائرية.
ونظراً إلى افتقاد بنية أساسية ملائمة، والافتقار إلى موارد مالية، لإدارة منطقة الحكم الذاتي الجديدة، فضلاً عن الحصار الاقتصادي، الذي فرضته الحكومة العراقية على إقليم كوردستان، اعتمد الكورد اعتماداً كلياً على المساعدات الخارجية ويلفت، في هذا الاتجاه، تصريح مسعود البارزاني، في يونيه 1993، "أن جهود شهرَين في محاولة جمع مساعدات مالية، مـن الولايات المتحدة الأمريكية، أو دول أوروبية أو خليجية، قد فشلت" وصار أكراد العراق أمام خيارين إما أن يعودوا لاجئين من جديد، في إيران أو تركيا أو غيرهما، أو أن يستسلموا للرئيس العراقي صدام حسين.
ومع تفاهم القوى الإقليمية على عدم السماح بإنشاء دولة كوردية، فقد عانى أكراد العراق عدم اعتراف أي دولة بوضعهم الجديد، وخصوصاً دول الجوار التي تمثل أهمية خاصة للكورد بل كان العكس تماماً، إذ لجأت دول الجوار إلى شبه مقاطعة، سياسية واقتصادية، عدا "المساعدات المحسوبة"، التي تقدمها إلى الكورد، وخصوصاً من إيران وتركيا وسوريا، في مقابل أهداف محددة يحققونها لها، ومن ثم، فإن حجم المساعدات يتقرر بمدى تحقيق الأهداف.
حيال الفراغ السياسي، والمصاعب الجمة، انقسم الكورد، وتعددت زعاماتهم، وظهرت حركات وتنظيمات كوردية جديدة، كالحركة الإسلامية الكوردية، التي مثلت تجمعات إسلامية مختلفة، وتزعمها الملا عثمان عبد العزيز، الذي حصل في انتخابات الرئاسة في كوردستان على 4% من مجموع الأصوات وحاولت أداء دور أكبر، على الساحة الكوردية ، وحالفت الحزب الكوردستاني ضد الحزب الوطني وقد تبنّت إيران هذه الحركة.

كانت تحالفات أبرز أحزاب المنطقة الكوردية، خلال فترة الثمانينيات وأوائل التسعينيات كالآتي:

- الحزب الديموقراطي الكوردستاني: كان يعتمد، في الدعم الخارجي، "إقليمياً، على إيران، ودولياً، على الولايات المتحدة الأمريكية، وينفّذ أهداف إيران في العراق.
- الاتحاد الوطني الكوردستاني: كان حليفاً للنظام العراقي، ودائم الاتصال به وكان جلال الطالباني، رئيس الحزب، هو الراعي الرئيسي للمفاوضات الكوردية مع الحكومة، وكان يتلقى مساعداته من العراق.

إلا أنه في الفترة، من نهاية عام 1993 وحتى منتصف عام 1994، حدث انقلاب تام في توجهات الحزبَين، بسبب التدخل الإيراني إذ اكتشفت إيران أن هناك تنسيقاً وتفاهماً بين الحزبين الديموقراطيَّين الكوردستانيَّين في العراق وإيران، هاجم على أثرهما الحزب الكوردستاني الإيراني أهدافاً داخل إيران، بنجاح وقد احتمى العديد من مقاتلي الحزب داخل معسكرات تابعة للحزب الديموقراطي العراقي، في شمالي العراق لذلك قصفت مدفعية إيران وسلاحه الجوي تلك المعسكرات ولم تكتفِ طهران بذلك، بل عمدت إلى التحالف مع حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني، فأمدته بالأسلحة والمعدات، ليهاجم هو نفسه معاقل الحزب الديموقراطي و فعلاً، اشتعل الصراع في شمالي العراق، بين الحزبَين، في أبريل 1994 وتكبد كلاهما خسائر كبيرة، ولم يتوقف إلا بتدخل قوات التحالف الدولي.

ومنذ تلك اللحظة تغيرت توجهات الحزبَين

- إذ تحالف الحزب الديموقراطي الكوردستاني مع الحكومة العراقية و نادى بأن الحوار مع النظام العراقي، هو الطريق إلى حل المشكلات الكوردية واتجه إلى الحصول على الدعم من "العراق الأم".
- أما الاتحاد الوطني الكوردستاني، فأكد أن حل المشكلة الكوردية، لن يتحقق، إلا بإشراف أمريكي - أوروبي واتجه إلى التحالف مع إيران، التي تدعمه بالإمكانيات المادية والسلاح، في سبيل تحقيق أهدافها.
- وتحالف الحزب الإسلامي الكوردستاني، والذي سبق إنشاؤه بدعم إيراني، مع الحزب الديموقراطي، في معاركه ضد الاتحاد الوطني ثم اتخذ الحياد بين الحزبَين وقد أدى ذلك إلى فتور شديد بين الحزب وإيران، التي كانت تسعى، من خلاله، إلى تحقيق أهدافها تحقيقاً كاملاً.

تنقل بين المقالات
المقالة التالية الكورد في تركيا الجمعيات الكوردية و معاهدة سيفر المقالة السابقة
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع