الكورد في تركيا



الكورد في تركيا


- الكورد في تركيا، من عهد أتاتورك حتى الحرب العالمية الثانية
- ثورة الشيخ سعيد بيران، عام 1925
- تأسيس جمعية خويبون (الاستقلال)
- انتفاضة ديرسم (1936-1937) سيد رضا
- القضية الكوردية، في تركيا، بعد الحرب العالمية الثانية
- القضية الكوردية، في تركيا، في فترة تعدد الأحزاب، حتى عام 1980
- القضية الكوردية، في تركيا، بعد انقلاب 1980
- بداية العمليات المسلحة لحزب العمال الكوردستاني
- القضية الكوردية، في تركيا، بعد عام 1991
- الأطراف الأخرى، ومواقفها من حزب العمال
- فشل الحملات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكوردستاني





الكورد في تركيا، من عهد أتاتورك حتى الحرب العالمية الثانية

قبلت الحكومة العثمانية في استانبول، مرغمة، معاهدة سيفر (Sèvres)، التي عقدت في 10 أغسطس عام 1920 ولكن الحكومة الوطنية، التي شكلها مصطفى كمال أتاتورك، في الأناضول، عام 1919، رفضت الاعتراف بها، وبادرت إلى حركة وطنية، من شرقي تركيا، لتحرير الوطن التركي.

حرص مصطفى كمال أتاتورك على ضمان انضمام الكورد إليه، في حركته الوطنية فأخذ، بعد مؤتمر أرروم، عام 1919، يؤثر في زعماء الكورد، ويطلب منهم إرجاء القضية الكوردية ريثما يكتمل تحرير البلاد التركية كلها من المحتلين، وينعقد الصلح وذلك لا يكون إلا باتحاد العنصرَين، التركي والكوردي، أصحاب البلاد، كما نص الميثاق الوطني، الصادر عام 1920 وكان أتاتورك قطع لهم الوعود الصريحة، بأن تعترف تركيا للكورد، ولكوردستان، بالاستقلال بمساحة أكبر وأوسع مما ورد في معاهدة سيفر وكان عدد النواب الكورد، الذين يمثلون كوردستان في المجلس الوطني الكبير، في أنقرة، 72 نائباً.

وفي بدايات الحركة الكمالية، في الأناضول، لم يظهر الكماليون أي بادرة سوء نحو الكورد، بل قدموا العون للكورد في جنوب كوردستان (العراق)، للضغط على الإنجليز، وإجبارهم على التخلي عن الموصل.

إزاء ذلك، لم يتخلَّ الكورد عن الترك، إخوتهم في الإسلام، في وقت الشدة، ومواجهة العدو الأجنبي خاصة أن قسماً كبيراً من جنوبي كوردستان، كان تحت احتلال الإنجليز، كما أن الفرنسيين، كانوا يحتلون السواحل وأما شمالي كوردستان فكان تحت احتلال الروس.

ورفض قادة جمعية تقدم الكورد، اللجوء إلى أي عمل ضد الترك، عندما طالب الشباب الكوردي، من أعضاء الجمعية، عام 1919م، باتخاذ قرار حول إعلان استقلال كوردستان، وطرد جميع القوات الأجنبية منها، بما فيها التركية ووقف سيد عبد القادر ضد هذا الاقتراح، إذ رأى أنه لا يليق بالحركة الكوردية الوقوف ضد الترك، في مثل هذا الظرف العصيب.

وكان رؤساء الحلفاء، في باريس، يؤكدون للجنرال شريف باشا، رئيس الوفد الكوردي إلى مؤتمر الصلح، في العاصمة الفرنسية (عام 1919- 1920)، أن إخلاد الكورد إلى السكينة والهدوء، هو ضروري، لتحقيق آمالهم القومية.
وقد نشر قائد القوات الإنجليزية في كوردستان، حينذاك، الجنرال ماك اندرو، منشوراً باللغة الكوردية، ورد فيه ما يأتي:

"بما أن مصير الأراضي العثمانية ذات الأكثرية الكوردية،، سيتقرر في مؤتمر الصلح، الذي سوف يحقق الأماني القومية الكوردية، والحقوق الطبيعية للكورد وكوردستان، فإن هذه الحالة توجب على الكورد التزام السكينة والهدوء، وعليهم أن يطمئنوا إلى عدالة إنجلترا، التي ستحافظ على حقوقهم ".

ومن ناحية أخرى، منع رئيس الاستخبارات الإنجليزية في حلب، العقيد بل، إصدار منشور، أراد نشره الأمير الكوردي، ثريا بدرخان، سكرتير جمعية الاستقلال الكوردي، في حلب لكشف نيات مصطفى كمال إزاء الكورد، قائلاً: "إن أكبر خدمة، وأعظم فائدة، تقدم إلى الشعب الكوردي، الآن، هي دعوته إلى الإخلاد إلى الهدوء والسكينة".

وكذلك حضر هذا القائد الإنجليزي إلى ملاطية، في الأناضول، حينما شعر أن الأمير الكوردي جلادت بدرخان، والأمير كامران بدرخان، وأكرم جميل باشا زاده، مندوبي جمعية تقدم كوردستان، يحشدون في جبال كاخته قوات كوردية، لرد هجمة مصطفى كمال باشا، التي يريد أن يشنها بغتة، ومن دون سبب معلوم، على الوطنيين الكورد فأرسل الرائد إدوارد وس نويلNoel إلى المندوبين الكورد المذكورين، يبلغهم، باسم حكومته، وجوب تفريق القوى الكوردية، حالاً، وأن أقلّ مقاومة مسلحة تعرض القضية الكوردية للأخطار الشديدة، بعد أن حازت قبول الدول الأوروبية.

وأخلد الكورد للسكون، خاصة بعد تعهّد الدول الحليفة، بأن الترك، إذا لم ينفذوا معاهدة سيفر (Sèvres)، سوف يحرمون من الآستانة، كذلك وهكذا أضاع الحلفاء، وخاصة الإنجليز، على الكورد فرصة تحقيق آمالهم الاستقلالية.
وفي عام 1922، طلب مصطفى كمال من النواب الكورد، في المجلس الوطني التركي، في أنقرة، الرد على الاستفسار، الذي وصله من رئيس الوفد التركي، عصمت باشا، إلى مؤتمر لوزان، حول رغبة الكورد في البقاء ضمن الدولة التركية الجديدة فردّ النائب الكوردي عن أرزروم في المجلس، حسين عوني بك، عام 1922، قائلاً :" إن هذه البلاد هي للكورد والترك وإن حق التحدث من فوق هذه المنصة، هو للأُمتَين، الكوردية والتركية" وأيده في ذلك النواب الكورد في المجلس الوطني الكبير وقوبل ذلك بالترحيب والاستحسان من أتاتورك وبناء على هذا الجواب من النواب الكورد، أعلن عصمت باشا، الكوردي الأصل، مندوب تركيا في مؤتمر لوزان، أن " تركيا هي للشعبَين، التركي والكوردي، المتساويَين أمام الدولة، ويتمتعان بحقوق قومية متساوية" وحينما وجد المشاركون في مؤتمر لوزان، أن النواب الكورد، لا يريدون انفصال كوردستان عن تركيا، وأن حكومة تركيا وعدت بتلبية مطالب الكورد القومية، وافقوا على غض النظر عن أي فكرة لاستقلال كوردستان ،وحذفوا ذكر الكورد من الوثائق الرسمية للمؤتمر.

وهكذا وقعت معاهدة لوزان، في23 يوليه 1923، بين الحلفاء وحكومة أنقرة الوطنية وبهذه المعاهدة ألغيت معاهدة سيفر وقدم الإنجليز والترك تنازلات بعضهما إلى بعض، في خصوص القضية الكوردية ولم يذكر فيها شيء عن استقلال الكورد، سوى ما جاء في المواد (38) و (39) و (44) من الفصل الثالث:

إذ نصت المادة (38) على أن تتعهد الحكومة التركية بمنح جميع السكان الحماية التامة والكاملة، لحياتهم وحريتهم، من دون تمييز في العِرق والقومية واللغة والدين.

ونصت المادة (39) من معاهدة لوزان على أنه " لن تصدر أي مضايقات في شأن الممارسة الحرة لكل مواطن تركي لأية لغة كانت، إن كان ذلك في العلاقات الخاصة أم في العلاقات التجارية، أم في حقل الدين والصحافة، أم في المؤلفات والمطبوعات، من مختلف الأنواع أم في الاجتماعات العامة.

ونصت المادة (44) على أن تعهدات تركيا هذه، هي تعهدات دولية، لا يجوز نقْضها، في حال من الأحوال ، وإلا فيكون لكل دولة من الدول الموقعة معاهدة لوزان، والدول المؤلفة منها عصبة الأمم، الحق في الإشراف على تنفيذ تركيا هذه التعهدات، بدقة، والتدخل ضدها، لحملها على تنفيذ ما تعهدت به أمام العالم.
وهكذا، أضاعت معاهدة لوزان كل الحقوق القومية للكورد في تركيا و كانت معاهدة لوزان خطوة إلى الوراء، مقارنة بمعاهدة سيفر (Sèvres).
وعلى الرغم من معاهدة لوزان، وقبَيل حل مشكلة الموصل، في عام 1925، نجد تسامحاً، في بعض التصريحات الكوردية فقد صرح فتحي بك، رئيس الوفد التركي إلى مؤتمر استانبول، الذي انعقد لحل مشكلة الموصل، عام 1924، قائلاً: "إن هذا الوطن، يخص الأُمتَين الكوردية والتركية، فقط "
وكان ذلك مما يخدم الحكومة التركية، في مسألة الموصل، آنذاك.



ثورة الشيخ سعيد بيران، عام 1925

حينما وقعت معاهدة لوزان، لم يبقَ في تركيا من الشعوب سوى الكورد والترك ورأى الكماليون بعد قيام الجمهورية، أنه لا مكان لشعب غير الشعب التركي ، ويجب تتريك كل القوميات الأخرى، التي تضمها هذه الجمهورية، وصهرها في المجتمع التركي ورفضوا الاعتراف بوجود شعب آخر غير الترك، وأطلقوا على الكورد اسم " أتراك الجبال" ، وألغوا اللغة الكوردية في المدارس والمعاهد، وحرّموا التحدث بها في الشوارع والمجالس، فضلاً عن تحريمها في المصالح الحكومية و أمام المحاكم، على الرغم من تعهداتهم السابقة، في معاهدة لوزان.

سعى الكورد، من جانبهم، إلى إظهار رفضهم لعدم الاعتراف بحقوقهم من جانب الحكومة التركية فبادر الفريق خالد بك الجبرانلي، الذي كان قائداً في الألوية الحميدية، إلى تنظيم لجنة استقلال كوردستان (آزادي) السرية ، وأرسل مندوبين عنها إلى جميع أنحاء كوردستان، لإنشاء فروع وتشكيلات عامة لها، ولتوزيع أسلحة وذخائر حربية ودخل في هذا التنظيم الشيخ سعيد بيران الكوردي، من قرية بيران، وهو من المشايخ ذوي النفوذ الديني لدى مريديه وأتباعه.

وتقرر أن تبدأ الثورة، صباح 21 مارس 1925، وهو يوم الاحتفال بعيد النوروز، ولكن وصلت قوة تركية إلى قرية بيران، حيث يقيم الشيخ سعيد الكوردي، في 7 مارس 1925، فنشب القتال بينها وبين أتباع الشيخ سعيد، لسبب بسيط تافه، فانفجرت الثورة في كل أنحاء كوردستان وكان من أبرز شعاراتها " إقامة كوردستان مستقلة، في ظل الحماية التركية، وإعادة حكم السلطان".

وبادر الفريق خالد الجِبرانلي، ومن معه من الضباط الكورد، الذين كانوا خارج المكان، الذي انفجرت فيه الأحداث، إلى التوجه إلى المكان المذكور، للإشراف على الثورة، وإدارة دفة القتال ولكن قبض عليهم، قبْل وصولهم إلى مكان الثورة، وأعدموا من دون محاكمة وبذلك، حرمت الثورة من اشتراك المخططين لها، والعارفين بالفنون الحربية فقادها من لا خبرة لهم بها ولا بأسرارها.

وتوسعت الثورة، وانتشرت في مناطق شاسعة من البلاد ولكن الكورد صرفوا همهم نحو السيطرة على المدن الكبيرة، في الوقت الذي كانت القوات التركية تصل إلى المنطقة ، وتصل إليها الإمدادات من كل ولايات تركيا.

وبعد سلسة من المعارك، أخمدت الثورة و قدِّم الشيخ سعيد و رفاقه إلى المحاكمة، وسيقوا إلى محاكم عسكرية، عرفت باسم "محاكم الاستقلال"، ثم شنقوا، وتركوا معلقين على أعواد المشانق، عِبرة لمن يعتبر و فر قسم من المقاتلين إلى رؤوس الجبال، أو إلى الدول المجاورة، سوريا والعراق وإيران.

وأعلن رئيس المحكمة، الذي حكم بالإعدام على ثلاثة وخمسين زعيماً من زعماء الثورة، أثناء المحاكمة، في 28 يونيه 1925، قائلاً: " لقد اتخذ بعضكم إساءة استعمال السلطة الحكومية، والدفاع عن الخلافة، ذريعة للثورة ولكنكم كنتم متفقين جميعاً على إقامة كوردستان المستقلة".

وقد استخدمت الحكومة التركية 35 ألف جندي و12 طائرة حربية، لإخماد الثورة، التي شكلت خطراً على الجمهورية التركية الناشئة وجرى حشد ثمانين ألف جندي تركي في كوردستان ودمرت القوات التركية، بعدها، 206 قرى كوردية، وأُحرق 8758 منزلاً، وقُتل 15200 شخص وقالت، يومها، جريدة "وقت" التركية: "ليس هناك قضية كوردية، حين تظهر الحِراب التركية".

وتكبّد كلٌّ من الكورد والترك، خسائر فادحة، من جراء هذه الثورة.

وكان من نتائجها صدور قانون الحفاظ على الأمن أو (تقرير سكون قانوني)، الذي جرى، بموجبه، تشتيت آلاف الأُسر الكوردية وتهجيرها ، ودمِّر كثير من القرى الكوردية ، ونُفي زعماؤها وروؤساؤها إلى مختلف الولايات التركية.

واختلفت الآراء حول ثورة الشيخ سعيد فقد قيل إن الشيخ، ورفاقه، كانوا يسعون إلى إعادة الخلافة، التي ألغاها مصطفى كمال آتاتورك، عام 1923، لا إلى الاستقلال الكوردي وقالت الجرائد التركية، آنذاك، إن الجمعيات الكوردية، دبرت الثورة تحت ستار الدين، لتصل إلى غايتها الوحيدة، وهي إنشاء كوردستان مستقلة، في الولايات الشرقية من تركيا.



تأسيس جمعية خويبون (الاستقلال)

على أثر ما نزل بالكورد، وما حل ببلادهم عقب ثورة 1925، من الخراب والتشريد ، عقدوا مؤتمراً، عام 1927، شهدته جميع الفئات الكوردية ومندبو الجمعيات ورؤساء العشائر ووجوه البلاد والمراكز ، وذلك لاتخاذ القرارات السريعة، لجمع الفصائل الكوردية المشتتة، واستجماع القوى، لمواصلة نضالهم ضد تركيا وعقد المؤتمر داخل الحدود التركية، ودامت جلساته مدة شهر ونصف الشهر واتخذ قرارات منها:

- حل الجمعيات الكوردية القائمة، وتأسيس قيادة موحدة للفصائل الكوردية، تجمعها باسم جمعية "خويبون" (أي الاستقلال).
- تدريب المقاتلين الكورد على وسائل الحرب الحديثة، وتنظيم قوات وفق أساليب عسكرية متطورة، وإنشاء مركز عام ومقر للقيادة العليا للثورة، في جبال كوردستان، في تركيا.
- إقامة علاقات قوية بالحكومات، الإيرانية والعراقية و السورية.

وافتتحت جمعية "خويبون" عدة فروع لها، في كوردستان وخارجها وتولى الفريق إحسان نوري باشا تأسيس منظمة عسكرية كوردية، في منطقة جبل أرارات (آغري)، في كوردستان التركية، تمكنت من إرسال مجموعات قتالية، حالت دون نفي الحكومة التركية السكان الكورد من مواطنهم.

وقد نجحت جمعية "خويبون"، عام 1930، في تنظيم انتفاضة مسلحة في إقليم أرارات (جبال آغري)، بقيادة الفريق إحسان نوري باشا وكان السبب المباشر لاشتعالها، اتخاذ الحكومة التركية الاجراءات اللازمة لتتريك الكورد، و الأقليات الأخرى وقد سمحت الحكومة الإيرانية للقوات التركية باستخدام الأراضي الإيرانية لمهاجمة مؤخرة المقاتلين الكورد وبعد حرب طويلة، قضي على الانتفاضة، بوساطة القوات والمدفعية والطائرات واستناداً إلى إحصاءات غير رسمية، فإن 165 قرية و6816 بيتاً، قد دمرت.

وبدا للحكومة التركية أنها قضت على الحركة الكوردية فأكد عصمت إينونو، رئيس الوزراء التركي، في خطبة، ألقاها في 30 أغسطس 1930، عدم أحقية الكورد في الاعتراف بهم: "ليس في هذه البلاد جماعة لها الحق بادعاء كيان قومي ووطني، غير الجماعة التركية".

وقال وزير العدل التركي، محمود أسعد أورامش، في خطبة له في سبتمبر 1930: "هذه هي عقيدتي ونظريتي: ليعلم الصديق والعدو، حتى الجبال أن سيد هذه البلاد هو التركي فمن لم يكن من الدم التركي، ليس له في الوطن التركي سوى حق واحد، هو أن يكون خادماً وعبداً نحن في بلاد أكثر حرية من جميع بلاد العالم هذه هي تركيا ولهذا، أنا لا أخفي عواطفي وأحاسيسي عن أحد".

وبعد القضاء على انتفاضة 1930، فقدت جمعية "خويبون" نفوذها، تدريجاً وفي أثناء ذلك، سوِّيت النزاعات ما بين الحكومة التركية والإنجليز والفرنسيين، في المسائل العالقة، والتي تمس القضية الكوردية.

بعد انتفاضة 1930، أمعنت الحكومة التركية في سياستها، الرامية إلى صهر السكان الكورد، واندماجهم في المجتمع التركي وأصدرت قانوناً يجيز لها فرض الأحكام العرفية، واستدعاء القوات إلى المناطق الكوردية، في الأقاليم الشرقية من تركيا وصدر قانون، في مايو 1937، رحِّل، بموجبه، مئات الألوف من الكورد من مناطقهم إلى مناطق أخرى، لا يكونون فيها سوى 5% من السكان وينص ذلك القانون على: " أن أولئك الذين ليست لغتهم التركية، يحرَمون من إعادة بناء قراهم، أو تشكيل منظمات، حِرفية أو كتابية أو طبقية، ويمنح وزير الداخلية حل هذه المنظمات وهذا القانون ينافي ما جاء في معاهدة لوزان، من احترام حقوق الأقليات وشرعت الحكومة التركية، بعد ذلك تنفذ حملة فكرية، لصهر الكورد وتتريكهم.



انتفاضة ديرسم (1936-1937)

بعد تردي الأوضاع، الاقتصادية والمعيشية، للسكان الكورد، شهد عام 1936، انتفاضة في إقليم ديرسم، الذي حوِّل إلى ولاية باسم (تونجلي)، في شكل عصيان كبير، تزعمه سيد رضا، وهو شيخ من شيوخ الطريقة النقشبندية فقد شكلت الحكومة دائرة التفتيش العامة الرابعة في الولاية وأصدر المفتش العام، الجنرال ألب دوغان، أمراً بفرض حالة الحصار على ولايات ديرسم (تونجلي) وأليازيغ وبين جول، وطلب من الكورد تسليم 20 ألف بندقية، وإلاّ فسينالهم عقاب شديد وأرسل زعيم الكورد، سيد رضا، رسالة إلى ألب دوغان، يطلب إلغاء قراره والاعتراف بحقوق السكان الكورد ورداً على ذلك، أرسل الجنرال ألب دوغان فرقة من المشاة، وفوجاً من الدرك، على سكان ديرسم، وكانت هذه القوات مدعومة بعشر طائرات من سلاح الجو التركي وتوقفت العمليات في شتاء 1936، بسبب الثلوج والأمطار والبرد القارس واستؤنفت الحملة، بعد تحسّن الجو، في الربيع واستدرج الجنرال ألب دوغان نجل الشيخ سيد رضا، لإجراء مفاوضات، ثم قتله، بوحشية عندئذ، هبت العشائر الكوردية في وجه القوات التركية، التي أحرقت الغابات المحيطة بديرسم، لإرغام الثوار الكورد على الخروج من الملاجئ الجبلية، ووجهت مدفعيتها صوب مواقع الشيخ سيد رضا، وفصيله وتمكن الجنرال ألب دوغان، بحيلة إجراء مفاوضات مع سيد رضا، أن يقبض عليه، في 5 سبتمبر 1937، وقدِّم هو ورفاقه، للمحاكمة، في 10 نوفمبر 1937، وحكمت المحكمة بإعدام أحد عشر من قادة الانتفاضة ونفِّذ الحكم في 18 نوفمبر 1937.

وشرعت الحكومة تنكل بالسكان الكورد وقال وزير الداخلية التركي، وقتها، جلال بك، "إن القضية الكوردية لا وجود لها، بعد اليوم وإن العصاة جرى تلقيحهم بلقاح الحضارة، عن طريق القوة " في إشارة إلى الرأي التركي القائل بأن الكورد، ما هم إلا أتراك الجبال، الذين تخلّفوا حضاريا.ً

كانت العمليات العسكرية ضد الكورد، في ديرسم، قوية وعنيفة، إلى درجة أن الحركة القومية الكوردية، ظلت، بعدها، ساكنة على مدى نصف قرن تقريباً.

ولقد عزا بعض المؤرخين هذه الثورة إلى إجراءات القمع، التي مارستها الحكومة ضد زعماء القبائل، في تلك المنطقة كما أرجعها بعضهم إلى نشر قانون، هدفه تحقيق تتريك الأقليات غير التركية، واندماجها في الشعب التركي وقيل إن هذا العصيان، كان مدعوماً من الاتحاد السوفيتي، وإنه زود الثوار، في ديرسم ، بالسلاح والمال.
وفي يونيه عام 1937، عقد "ميثاق سعد آباد" بين تركيا وإيران والعراق وأفغانستان، تحت إشراف بريطانيا وكان هذا الميثاق موجَّهاً، بصورة رئيسية، ضد الحركات الكوردية فتقول إحدى موادّه :إن كلاً من الأطراف الموقعة، تتعهد باتخاذ التدابير اللازمة للحيلولة دون قيام أي نشاط لعصابات مسلحة، أو جمعيات، أو منظمات، تهدف إلى إطاحة المؤسسات الحالية، التي تتحمل مسؤولية المحافظة على النظام والأمن، في أي جزء من حدود الأطراف الأخرى"، ولقد انتهى أثر ذلك الميثاق بنشوب الحرب العالمية الثانية.



القضية الكوردية، في تركيا، بعد الحرب العالمية الثانية

استكانت الحركة الكوردية المسلحة، خلال فترة الحرب العالمية الثانية، حتى أن جريدة "صون بوستا" (Son Posta) التركية ، قالت، في 11 أبريل نيسان 1946 :
"لا وجود في تركيا قَط لأقلية كوردية، ولا مستوطنة ولا مرتحلة طلباً للرعي، ولا هي ذات وعي قومي، ولا هي من دونه"



القضية الكوردية، في تركيا، في فترة تعدد الأحزاب، حتى عام 1980

ظلت المناطق الكوردية، في شرقي تركيا، في العهد الجمهوري، تعاني التخلف، في مجالات، الزراعة والصناعة والتعليم، ويطلق عليها "المناطق المحرومة" ولم تَجِد الحكومة التركية وسيلة لإخماد الثورات والانتفاضات الكوردية، غير القمع العسكري، والتهجير والنفي والتعذيب، والتمادي في حرمان الكورد حقهم في التحدث بلغتهم، أو إصدار جريدة أو مجلة باللغة الكوردية وكان العسف والقسوة والوحشية، تزداد في فترات الانقلابات العسكرية، التي شهدتها تركيا الحديثة، في أعوام 1960 و1971 و1980 على التوالي ولم يطرح أي حلول سلمية لهذه المعضلة، التي لا تعترف بها الحكومة، أصلاً.

لم تسمح الدساتير التركية، في أعوام 1924 و1961 و1981، للأقليات القومية في تركيا، بتأسيس أحزاب سياسية مما ولّد في نفوس الكورد شهوة الأستقلال ، والتطلع إلى التحرر ، ورد العنف بالمقاومة.

وظلت المناطق الكوردية مغلقة، حتى أوائل الستينيات، حين بدأ التململ بين الكورد، فأسسوا الجمعيات والأحزاب السرية، التي كانت تأخذ، في مسيرتها، بالمناهج الشيوعية الماركسية، اللينية أو الماوية، والاشتراكية، وأخذت تعمل بطريقة سرية، وأحياناً، متضامنة مع حزب العمال التركي اليساري، الذي حظرته السلطات، فيما بعد.

وفي أعقاب الانقلاب العسكري، عام 1960، بقيادة جمال جورسيل، أصدرت لجنة الاتحاد الوطني القانون الرقم 105، في 17 أكتوبر 1961 الذي جرى، بمقتضاه، تهجير العائلات الكوردية غير المرغوب فيها، وبصورة قسرية، إلى مناطق أخرى في تركيا.

استمرت الحكومات التركية في سياسة صهر الكورد، بعد أن منعتهم من فتح مدارس لهم، أو إصدار المطبوعات الكوردية، واستخدمت محطات الإذاعة، التي أنشئت في أرزروم وآمد (ديار بكر) و وان، لبثّ اللغة والثقافة التركيتين بين الكورد وأغفلت اللغة الكوردية وثقافتها.

من جانب آخر، أَولى قادة الحركة القومية الكوردية في تركيا، ثقافة الشعب الكوردي، اهتماماً كبيراً فنشطوا نشر نتاجهم الأدبي باللغة التركية فترجمت ملاحم الشعب الكوردي مثل ملحمة "مم و زين" للشاعر الكوردي أحمد الخاني ( 1591-1652) باللغة التركية، عام 1968 ولكنها صودرت، ولم تصل إلى القراء.

نشأت منظمات سرية كوردية، في كوردستان تناضل من أجل الاعتراف بحقوق الكورد القومية فأُسِّس الحزب الديموقراطي الكوردستاني، في تركيا في أواسط الستينيات، وحزب تحرير الكورد، في تركيا، ورابطة الحرية، ومنظمة مقاتلي كوردستان.

إلى جانب المنظمات الكوردية السرية، أخذت تتشكل، في الستينيات، منظمات شبابية، علنية، مستترة بالمؤسسات والمنظمات، الاجتماعية والثقافية، اليسارية التركية ففي أغسطس 1969، أنشأت مجموعة من الشباب الكورد مراكز ثقافية، في شرقي تركيا، ضمن تنظيمات حزب العمال التركي، وبارتباط وثيق معه وبلغ عدد المنتسبين إلى هذه المراكز عشرين ألف عضو وعملت على تطوير اللغة الكوردية، والفلكلور الكوردي، وتاريخ الكورد وأدبهم، ونشطت في نشره.

أرسلت الحكومة التركية وحدات من قوات الكوماندوز والدرك، في أوائل السبعينيات، لشن هجمات على الكورد، في مناطق: هكاري وماردين وسلوان وباتمان وبيسميلي و آمد (ديار بكر) وملازكورد وتوتاك وتيكمان وكار يازي وكيفي ورافق هذه الهجمات اعتقالات بين صفوف الكورد، والتنكيل بالسكان وفي أوائل أبريل 1970 حاصرت قوة مسلحة من الكوماندوز مدينة سلوان، بحجة مصادرة السلاح، فلجأ الأهالي إلى العصيان ضد السلطات المحلية وقد اعتقل أكثر من ثلاثة آلاف كوردي في تلك الأحداث، إضافة إلى تفتيش البيوت وتعذيب الرجال.

وبعد إنقلاب عام 1971 أُعلنت الأحكام العرفية، وحالة الطواريء، في 26 أبريل 1971 وفي أثناء الحملات، التي شملت مناطق البلاد الرئيسية، اعتقل عدد كبير من قيادات الكورد البارزين، من أمثال: كمال بورقاي وموسى عنتر وطارق زياد إيكنجي ومهدي زانا ومحمد أمين بوز أرسلان ويسف إيكنجي وناجي قوتلاي وجانب إيلدير وغيرهم.

وفي أغسطس 1972 حكمت المحكمة العسكرية في آمد (ديار بكر)، على عالم الاجتماع البارز، إسماعيل بيشيكجي، بالسجن لمدة 13 عاماً، بتهمة نشاطه في الدعاية الشيوعية والكوردية، في محاضراته، في جامعة أرزروم.

نتيجة مساعي حزب الشعب الجمهوري، الذي يسيطر عليه اليساريون، أقرّ البرلمان التركي، في ربيع 1974، قانون العفو، الذي أُطلق، بمقتضاه، المعتقلون من السجون، بمن فيهم عدد كبير من الشخصيات الكوردية البارزة، من ذوي الاتجاهات اليسارية وفي ظل تغاضي حزب الشعب الجمهوري، بقيادة بولنت أجيفيت، عن أنشطة الحركات السياسية الكوردية داخل أروقة الأحزاب اليسارية ، تأسس الحزب الاشتراكي الكوردستاني ، ومنظمة "طريق الحرية" ( Ozgürlük Yolu)، ومنظمة "شمس الوطن" (روزا ولات).
غير أن أكثر الأحزاب نفوذاً، في تلك المرحلة، كان الحزب الديموقراطي الكوردستاني، الذي وحّد التنظيمات الكوردية السرية وفي عام 1974، طرح برنامجه، الذي تمثلت فيه التوجهات الماركسية للحركات الكوردية وكان من أهم بنوده ما يلي:

- أن ينال الشعب الكوردي حق تقرير مصيره بنفسه ويرى الحزب أنه يمكن تحقيق هذا الهدف من طريق الثورة الوطنية والديموقراطية والنضال الشعبي ولهذا، قرر الحزب إنشاء قوات المقاومة المسلحة (المادة الثانية).
- يترتب على الحزب الديموقراطي الكوردستاني، في تركيا، بعد تشكيل الجيش الشعبي، تطهير المناطق الكوردية من القوات المسلحة التركية، وإقامة سلطة شعبية ديموقراطية في كوردستان التركية ولكي يقرر الحزب مصيره، بصورة مستقلة فإنه ينشئ جبهة معادية للإمبريالية والفاشية والإقطاعية وتضم هذه الجبهة جميع فئات الشعب الكوردي، وكل القوى الديموقراطية الوطنية.
- يرى الحزب أن القوى الأساسية للشعب الكوردي، هي جماهير الفلاحين، ويعتمد عليهم في أنشطته، ولكنه يسترشد بأيديولوجية الطبقة العاملة (المادة الرابعة).
- يرى الحزب، أن العدو الرئيسي لجميع الشعوب المناضلة في سبيل التحرر، القومي والوطني، هو الإمبريالية، التي أبرمت معاهدات، سياسية وعسكرية، مختلفة مع الحكومة التركية.
- يجب رسم حدود كوردستان التركية حسب العوامل، العرقية والجغرافية والاقتصادية والتاريخية (المادة السابعة).
- ستكون اللغة الكوردية لغة رسمية في كوردستان التركية (المادة الثانية).
- المجموعات العِرقية، غير الكوردية، في كوردستان التركية، ستوفَّر لها الظروف لتطوير ثقافتها ولغتها (المادة الثانية والعشرون).

إذ كان الحزب الديموقراطي الكوردستاني، يعمل في السر، فإنه لم يتمتع بنفوذ كبير بين الجماهير، ولم يكن لديه قوة، مادية وعسكرية، كافية لتحقيق أهداف الكورد في حق تقرير المصير.

في عام 1975، شكلت الشبيبة الكوردية، في كلٍّ من استانبول وأنقرة، جمعيات ثقافية علنية، باسم "نوادي الثقافة الثورية الديموقراطية" (Devrimci Demokratik Kültür Dernekleri)، انضم إليها عدد كبير من الأعضاء السابقين في المراكز الثقافية في شرقي تركيا وأظهرت نشاطاً ملحوظاً في المناطق الكوردية، مثل: آمد (ديار بكر) وقزلتبه وديرابك ومازي داغ والجزيرة وهكاري وغيرها.

كما عملت في كوردستان التركية، وبصورة علنية، جمعية النساء الثورية الديموقراطية، ومجموعة المعلم الديموقراطي، ومنظمات أخرى، تزيد على عشر جمعيات ومنظمات كوردية، صغيرة ومتنوعة ، ذات صبغات سياسية مختلفة.

أواخر ديسمبر 1978، وقعت حوادث دموية في مدينة قهرامان مرعش، في جنوبي شرقي تركيا، راح ضحيتها أكثر من مائة شخص، وجرح المئات، نتيجة للصراع بين السُّنة الذين مثلتهم ميليشيات الحزب التركي القومي، اليميني المتطرف، أتباع ألب أرسلان توركش، وبين العلويين، الذين كان أغلبهم من الكورد ومن الفور، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ، لمدة شهرين في ثلاث عشرة ولاية من ولايات تركيا، التي تسكنها أغلبية كوردية.

في مارس 1979، أصدرت القيادة العسكرية، في ظروف حالة الطوارئ قرارات تمنع صدور وبيع أكثر من عشرين جريدة يسارية، ومنها المطبوعات الكوردية، الصادرة باللغتين، التركية والكوردية، مثل: "روزكاري"، و"روزا ولات"، و"الشباب الديموقراطي الثوري" (Devrimci Dimokrat Gençlik)، وغيرها.

في النصف الأول من أبريل 1979، زار العراق قائد الأركان العامة للجيش التركي، الجنرال كنعان أفران، وأجرى مباحثات للتنسيق بين البَلدين في مقاومة الحركات الكوردية.



القضية الكوردية، في تركيا، بعد انقلاب 1980

ظلت الأحكام العرفية وحالة الطوارىء مفروضة على ولايات شرقي تركيا، مثل: آدي يمان وآمد (ديار بكر) وسعرت وماردين وديرسم (تونجلي) وأرزروم وغيرها، حتى الانقلاب العسكري، بقيادة الجنرال كنعان أفران، في 12 سبتمبر 1980، الذي أطاح الحكومة المدنية، وأوقف العمل بالدستور، وحل المجلس النيابي، وحل الأحزاب والجمعيات السياسية، وفرض الأحكام العرفية في كافة أنحاء تركيا وشدد قبضته على البلاد، وأخذ يتعقب الجمعيات والمنظمات السرية الكوردية، لاجتثاثها فاعتقلت السلطات العسكرية آلافاً من الشباب الكوردي اليساري، وتحولت السجون والمعتقلات إلى مسارح للتعذيب، وقتل كثير منهم أثناء التعذيب، وحددت إقامة أكثر من اثني عشر ألف كوردي، كمتهمين، وسيق منهم أكثر من عشرين ألفاً إلى السجون ووجهت إليهم تهمة تقسيم الأُمة التركية إلى عرقين وقوميتَين، وإدخال لغة غير اللغة التركية إلى البلاد.

وشن الحكم العسكري حملة عسكرية، في شرقي تركيا للقضاء على الزعامات الكوردية وصرح رئيس الدولة التركية، الجنرال كنعان أفران، في 19 أكتوبر 1981، إلى مجلة "دير شبيجل" الألمانية، قائلاً: "انتفض الترك، مراراً، وثاروا في عهد الامبراطورية العثمانية، وفي عهد أتاتورك أمامنا خطة جهنمية فعندما يدب الضعف في أوصال الجمهورية التركية، يثور الكورد، فهم يريدون تقسيم تركيا بمساعدة القوى الخارجية ".

وضع الإنقلابيون، في نوفمبر 1982، الدستور التركي الجديد، الذي تجاهل أي إشارة إلى حقوق الكورد أو ألأقليات في تركيا فقد نص في مقدمته على: أن كل مواطن تركي، يملك حق ممارسة حياة كريمة، في ظل محيط الثقافة القومية، والنظام والقانون، وتطوير وضعه، المادي والروحي، في هذا الاتجاه وأشارت المادة العاشرة إلى أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون، من دون تمييز في اللغة، أو العِرق أو لون البشرة، أوالمعتقدات السياسية، أوالآراء الفلسفية، أوالدين والمذهب.

وجاء في المقدمة، كذلك، أن "الدستور يتطابق والفهم القومي لمؤسس الجمهورية التركية (أي مصطفى كمال أتاتورك)"، وأن مفهوم "السيادة هي للأمة التركية مطلقاً، من دون قيد أو شرط".

فالدستور يرى أن تركيا، لا يعيش فيها سوى الترك، فيقول: "كل من يرتبط بروابط الجنسية للدولة، فهو تركي".

ونصت المادة (42) من الدستور على أنه "لا يجوز التدريس بلغة أخرى، سوى اللغة التركية، في المؤسسات التعليمية، لكونها اللغة الأم" وهذا يعني عدم أحقية أطفال الأقليات في التعلم بلغتهم الأم وذلك هو جوهر عملية الصهر للأقليات في تركيا.

وكما في السابق، حظر التكلم باللغة الكوردية، أو التخاطب بها، أو التدريس بها وحظر الاستماع إلى الأغاني والموسيقى الكوردية، أو ارتداء الزي الكوردي القومي.

اتخذ الحكم العسكري قراراً بإنشاء شريط أمني على طول الحدود مع سوريا والعراق وإيران، يراوح عرضه 10 و 20 كم، وفرض الحظرعلى السفر إلى المناطق الكوردية، من دون تصاريح، ونُقل مقر قيادة الجيش الثاني من قونية إلى ملاطية، حيث موطن الكورد.

أعاد المجلس الاستشاري، في مايو 1983، السياسات التركية القديمة، المتعلقة بتهجير الكورد فصدر قانون الإسكان القومي (Milli Iskan Yasasi)، وبموجبه، منحت السلطات الحكومية حق تهجير السكان، بذريعة الأمن القومي، وطرد المتمردين والإرهابيين.

إزاء هذه المعاملة السيئة، اضطر كثير من المثقفين الكورد إلى مغادرة تركيا إلى سوريا ولبنان وأوروبا الغربية (خاصة ألمانيا والسويد )، حيث يواصلون إصدار مطبوعاتهم، والبث من محطة تليفزيون فضائية، هي "ميد تي في" (Med TV)، لتسليط الضوء على الوضع في كوردستان، وسياسة الحكومات في الشرق الأوسط إزاء القضية الكوردية.



بداية العمليات المسلحة الكوردية في تركيا (حزب العمال الكوردستاني)

عمد حزب العمال الكوردستاني (Parti-ye Karkaran-e Kurdistan)، المعروف، اختصاراً، بـ (PKK) والذي تأسس عام 1979، إلى النشاط المسلح ضد المصالح التركية، في الداخل والخارج عام 1984، مطالباً بالانفصال عن تركيا، وتأسيس كوردستان المستقلة في شرقي تركيا وتعاون في بعض المراحل مع المنظمة الأرمنية "أصالا" (ASALA)، التي تحارب، هي الأخرى الدولة التركية.

وتعقبت السلطات العسكرية التركية، منتهزة فرصة انشغال العراق بالحرب مع إيران، العناصر الكوردية المقاتلة في شمالي العراق، ومستفيدة من المعاهدة الموقعة في عام 1978، بين تركيا والعراق، التي نصت المادة الأولى منها على: " أنه في حالة تسلل أفراد من أي دولة إلى داخل حدود الدولة الأخرى، يلقى القبض عليهم ويسلمون إلى دولتهم" ونصت المادة الرابعة على "أن يتخذ الطرفان التدابير الكفيلة بإيقاف عمليات التخريب، التي تجري في المناطق الحدودية للبلدين".

فاجتازت القوات التركية، في مايو 1983، الحدود العراقية، للمرة الأولى، بموافقة الحكومة العراقية، وتوغلت في شمالي العراق إلى عمق 30 كم وبلغ قوام تلك القوات 15 ألف جندي، لضرب قواعد الثوار الكورد ولكنها اصطدمت بمقاومة عنيفة من قوات البيشمركة، التابعة للحزب الديموقراطي الكوردستاني، المتمركزة في تلك المنطقة.

حاول رئيس وزراء تركيا، تورجوت أوزال (1983 - 1989) النهوض بمنطقة جنوبي شرقي تركيا فاعتمدت حكومته مشروع جنوبي شرقي الأناضول (Güney Anadolu Projesi=GAP) الذي يشمل إقامة سد أتاتورك على الفرات، ويهدف إلى تنشيط الزراعة والصناعة والحياة الاقتصادية في المنطقة، خاصة بعد اكتمال العمل في سد أتاتورك على الفرات وأسست الحكومة، عام 1984، مناطق حرة للاستثمار، في 27 ولاية تركية، ضمت كل ولايات شرقي وجنوبي شرقي تركيا،أعفيت من 60% من مقدار الضريبة المستحقة.



القضية الكوردية، في تركيا، بعد عام 1991

يُعَدّ الرئيس التركي، تورجوت أوزال (1989-1993) أول رئيس تركي، يخطو خطوة في سبيل الحل السلمي للمعضلة الكوردية في تركيا وأظهر شجاعة لا تنكر، في اتخاذه بعض القرارات المهمة في مصلحة الكورد.

في أثناء أزمة الكويت عام 1991، تردد في الجرائد التركية بعض الأخبار، غير المؤكدة رسمياً بأن أوزال ينوي حل القضية الكوردية في تركيا بأساليب ديموقراطية، وأنه سيجعل من تركيا مثالاً لدول المنطقة، في تعاملها مع الكورد وصرح في أبريل 1990 بأن حكومته تبحث عن صيغة جذرية لحل المشكلة الكوردية، و لا تحبذ الخيار العسكري القائم.

وقد كان متوقعاً، أن يشجع هذا الأمر كورد العراق، القاطنين في منطقة غنية بالنفط - على الانضمام، طوعاً، إلى تركيا، إذ ستتحول إلى دولة ديموقراطية فيدرالية كوردية - تركية إن مثل هذا الاتحاد من شأنه أن يقوي تركيا، وسيحل الأزمة الرئيسية للاقتصاد التركي، المتمثلة في الحاجة إلى النفط.

فبعد انتفاضة الكورد في شمالي العراق، في أبريل 1991، عقب حرب تحرير الكويت، خشي الترك من قيام دولة كوردية مستقلة فيها، وصار هاجسهم الأكبر، أن تتحول تلك المنطقة قاعدة لحزب العمال الكوردستاني (PKK)، الذي يخوض حرباً ضد المصالح التركية، في الداخل والخارج، منذ 1984 ولتفادي ذلك، انتهج الرئيس تورجوت أوزال، في أثناء أزمة الخليج، سياسة مختلفة تجاه القضية الكوردية، تقوم على :

- ربط الدعم التركي للتحالف الغربي ضد العراق، بتعهد من الإدارة الأمريكية بالحيلولة دون قيام دولة كوردية مستقلة، في مرحلة ما بعد الحرب
- اتخاذ سياسة اللين تجاه الحركة القومية الكوردية، في العراق وتركيا.

ففي تركيا، أعلن الرئيس التركي، تورجوت أوزال، مبادرته، في ديسمبر 1990، رفع الحظر عن استخدام اللغة الكوردية، في الحديث والتخاطب فقط ثم أصدرت الحكومة التركية قراراً، في فبراير 1991، برفع الحظر عن اللغة الكوردية، خاصة فيما يتعلق باستعمالها في الأماكن العامة، والتحدث بها، واستخدامها في الوسائل السمعية والمرئية، وسمحت بإصدار المطبوعات والصحف بها.

ولكن ذلك لن ينسحب على لغة التعليم والدراسة وصدرت، في هذه المرحلة، جريدة كوردية، باسم (روزنامه)، ومجلة "دنك" (Deng) أي الصوت.

كما أصدرت الحكومة، في عهد أوزال، عفواً عاماً عن السجناء الكورد.
واستقبلت تركيا آلاف النازحين الكورد من العراق، عقب الانتفاضة، التي قاموا بها، في آذار 1991، مما خلع على تركيا، أمام الاتحاد الأوروبي، مظهر الراعي للمصالح الكوردية.

كما خطا أوزال خطوة أخرى، غير تقليدية، وهي فتح قنوات الاتصال الرسمية مع القيادة الكوردية في العراق، إذ سمح للجبهة الكوردستانية العراقية بفتح مكتب لها في أنقرة، يرعى عملية إيصال المساعدات الغربية، الإنسانية والطبية، إلى كوردستان العراقية.

وقد أحدثت قرارات أوزال صدى واسعاً، وساعدت على كسر الحاجز النفسي في تركيا تجاه القضية الكوردية ووصل الأمر بالنائب نور الدين يلماز، عضو البرلمان التركي، عن ماردين، وهو ينتمي إلى حزب الرئيس أوزال "الوطن الأم" أن يخاطب البرلمان التركي، قائلاً: "أنتم الترك لستم من الأناضول، بل أنتم من آسيا الوسطى وهناك عشرون مليوناً من الكورد، يعيشون على هذه الأرض قبْلكم".

ولكن قرارات أوزال، لم تكن كافية، في نظر بعض القوميين، من الكورد، لأنه لم يرفع الحظر عن اللغة الكوردية، في الدوائر الحكومية والتعليمية وردَّ أوزال على ذلك، قائلاً: " في المستقبل، ستتخذ إجراءات أخرى نحو الاعتراف بالحقوق القومية للكورد، ولكن الأمر يحتاج إلى صبر".

وكان لتركيا دور كبير في الوساطة بين الحزبَين الكورديين العراقيَّين، ووفرت لهم فرصة التقاء المبعوث الأمريكي، بليترو، في أنقرة.
ولم يقدرالنجاح لخطوات أوزال تلك، بسبب الضغط والمعارضة الشديدة، الَّلَذين تعرض لهما من قِبل العسكريين، حماة الجمهورية الأتاتوركية، ومن الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة ثم جاءت وفاته المفاجئة في 17 أبريل 1993، لتعود الأمور الكوردية، في تركيا، إلى الخيارات العسكرية.

ولقد طرأت تغيرات مماثلة، لدى بعض الزعماء السياسيين الترك، إزاء القضية الكوردية فسليمان ديميريل، مثلاً، الذي صرح، في أثناء تزعمه المعارضة، في 26 مارس عام 1989، قائلاً: "إن فتح ملف القضية الكوردية، في تركيا، للنقاش، سيؤدي إلى تفكيك البلاد، التي تضم أكثر من 26 أقلية عِرقية وكل حديث عن وجود قضية كوردية قومية، في تركيا، هو تصرف غير مسؤول، وخيانة في حق الوطن" وهو نفسه، أجرى تغييراً مفاجئاً في موقفه، حينما اقتربت الانتخابات، فصرح بأنه إذا فاز في الانتخابات، سيعالج القضية الكوردية بالود والحب لكنه لم يخفِ نيته ضرب المقاومة الكوردية بالحديد والنار وبعد تولّيه رئاسة الوزارة، زار المنطقة الكوردية، في أول ديسمبر 1991، وصرح، قائلاً: "إن حكومته تقر بالواقع الكوردي في تركيا، وتسعى لايجاد حل سياسي له".

ولهذا، نجد أن حكومة سليمان ديميريل، ومن بعده تانسو تشيلر، تحاول الاقتراب من طرح جديد للسياسة التركية تجاه الكورد، مَبنيّ على الحل الإداري، بتوسيع الصلاحيات في الأقاليم، التي تقطن فيها غالبية كوردية، مع تبنّي سياسة الاستيعاب.

وفي هذا السبيل، قررت تنفيذ عدة برامج للإصلاح، السياسي والاقتصادي العاجل، في المناطق الكوردية غير أن تشيلر، اضطرت إلى التراجع عن هذا النهج، تحت وطأة المعارضة، التي أظهرها القوميون المتشددون، الذين ترسخ في أذهانهم، أن القضية الكوردية، لا تعدو أن تكون توجهاً عنصرياً، يستهدف زعزعة الوطن، وليست قضية مواطنين، لهم هوية ثقافية وعِرقية متميزة.

وعلى العموم، فالحكومة التركية، تنظر إلى المشكلة الكوردية على أنها مشكلة أمنية، في الدرجة الأولى ولم تفرق بين ظاهرة العنف الكوردي أو ظاهرة حزب العمال الكوردستاني، وبين المشكلة الكوردية، التي تتمثل في حق هذه المجموعة من السكان في الاعتراف بثقافتهم ولغتهم وأزيائهم، وكامل الحقوق الإنسانية الأخرى.


و- العنف المتبادل بين القوات التركية وحزب العمال الكوردستاني

خلت الساحة الكوردية من الأحزاب الفاعلة في المجال العسكري، الذي احتكره حزب العمال الكوردستاني (PKK)، وبادر إلى تصعيد أعماله العسكرية ضد المصالح التركية، في الداخل والخارج.

لم تهدأ هذه العمليات، في أي وقت من الأوقات، منذ عام 1991 ، بعد هزيمة العراق في حرب الخليج الثانية ، وفقْد حكومة العراق السيطرة على أراضيها، في الشمال، نتيجة قرار مجلس الأمن فرض "منطقة الحظر أو المنطـقة الآمنة" شمال خط العرض 36 ، الذي أعقبه امتداد نفوذ الكورد إلى منطقة كوردستان العراقية، ثم نشاط حزب العمال الكوردستاني، الذي أتاح لحكومة تركيا حرية اختراق حدودها مع العراق، في أي وقت تشاء ، وبأي حجم من القوات وفي كل مرة، تعلن تركيا أن "هدف العملية، هو حماية الدولة التركية من الهجمات الإرهابية لحزب العمال الكوردستاني ، وأنها لا تهدف أبدا إلى انتهاك سيادة العراق" وقد اتخذت العمليات العسكرية الصور الآتية:

- الحرب بالوكالة ، وذلك من طريق دعم الحزب الديموقراطي الكوردستاني ، والتحالف معه، لإحباط نيات حزب العمال الكوردستاني ، وتدمير قواعده، وإجباره على الدفاع عن نفسه في أراضي العراق نفسها، بدل أن يكثف أنشطته ضد الأراضي التركية وهذا الصراع شبه متواصل، ولكنه يقوى ويخبو، طبقاً لحجم الدعم وتحقيق المطالب والصراع بين الحزبَين العراقيَّين، الدويمقراطي والوطني، لئن كانت تؤثر فيه العوامل المناخية، فإن في جميع الأحوال دائم.
- الغارات التركية المحدودة، ضد قواعد الحزب، في شرقي وجنوبي شرقي تركيا، وفي داخل الأراضي العراقية وهي مستمرة، كذلك، على فترات، طبقاً لحجم المعلومات عن احتمالات نشـاط الحزب المستقبلية، أو نيته مهاجمة الأراضي التركية، أو لفرض السيطرة عليه، وإنزال أكبر خسائر به، وتكون هذه الإغارات، في الغالب، عبر اختراقات جوية، لقصف مواقع الحزب، أو قصف بالمدفعية للتجمعات على الحدود ، أو من خلال "كوماندوز" أتراك، ينفذون عمليات محدودة.
- الهجـمات الشاملة، بقوات كبيرة، التي تنظمها الحكومة التركية، على فترات، لتدمير قواعد الحزب ويستخدم فيها أفرع القوات المسلحة التركية (قوات برية - قوات جوية - أجهزة استخبارات .... إلخ) ، وغالباً ما تتزامن مع أزمات داخلية تركية، مثل تدعيم موقف الأحزاب الحاكمة في انتخابات قادمة، أو شغل الجيش بمهام قتالية، لإبعاده عن تطورات سياسية وكانت الحكومة التركية، أحياناً، تتعاون، في هذا المجال، مع الحكومة الإيرانية.

صعد حزب العمال الكوردستاني عملياته ضد المصالح التركية، في الداخل والخارج فقد أراد تحويل الاحتفال بالنوروز (عيد رأس السنة الكوردية) في 21مارس1992 إلى انتفاضة شاملة، وبداية جديدة للصراع مع الحكومة التركية فشهد ذلك اليوم مظاهرات جماهيرية في المدن الكوردية في شرقي تركيا وطالب المتظاهرون السلطات التركية بالاعتراف بحقوقهم، وإنهاء الحكم العرفي في المنطقة إلا أنها استعملت الدبابات والمصفحات المدرعة، لتفريقهم وأدى ذلك إلى مقتل قرابة مائة شخص، وجرح العشرات.

عمدت الحكومة التركية، في محاولة منها لخلق حاجز بين الشعب الكوردي ومسلحي حزب العمال، إلى تشكيل جيش من الكورد المتعاملين مع الجيش التركي، برئاسة زعماء العشائر الكوردية، وأبناء الإقطاعيين، وأطلقت عليهم اسم "كوي قوروجولري"، أي حراس القرى وناهز تعدادهم، في نهاية الثمانينيات، حوالي 15 ألف مسلح.
ورد حزب العمال على الخطوة الحكومية، بالقضاء على الرؤوس المدبرة لهذا الجيش، وطاولت عملياته عائلات هؤلاء المتورطين مع الحكومة، علماً بأن كثيراً من سكان القرى الحدودية أجبروا على حمل السلاح ضد حزب العمال إذ وضعتهم قوات الأمن التركية أمام خيارَيْن، لا ثالث لهما؛ إما حمل السلاح مع قوات حراس القرى، أو اعتبارهم من أنصار حزب العمال، فتدمَّر قراهم.
وحاول الاتحاد الوطني الكوردستاني، العراقي، بقيادة الطالباني، التوسط بين حزب العمال والحكومة التركية، لإيجاد صيغة ملائمة لوقف العمليات العسكرية، في مقابل حصول حزب العمال على بعض الميزات وقد أبدى "عبدالله أوج آلان"، رئيس الحزب موافقته على الوساطة ، والتخلي عن "مطالب الاستقلال" إلا أنه لم تمضِ إلا فترة قليلة، حتى اشتعل قتال "بشمركة" الحزب مع الحزب الديموقراطي الكوردستاني، العراقي، في صيف 1992 ثم بادر الحزب الديموقراطي الكوردستاني إلى خطوة أبعد، بفرض رسوم على نقل البضائع بين تركيا وأكراد العراق، مما أثر في اقتصاديات المنطقة.

شن الجيش التركي، في نوفمبر 1992، هجوماً على مواقع لحزب العمال الكوردستاني في شمالي العراق، بقوة تقدر بحوالي خمسة عشر ألف مقاتل، يساندهم حوالي 300 دبابة ، واستمرت القوات التركية في أراضي العراق لمدة شهر، ثم انسحبت.

وانطلقت حملة تركية أخرى، في الفترة من مارس إلى مايو 1995، بقوات ضخمة، قوامها 35 ألف جندي، وتوغلت إلى مسافة 40 كم داخل العراق وشُن، خلالها، الكثير من الهجمات والإغارات والقصف، الجوي والمدفعي، ضد قواعد حزب العمال الكوردستاني، في هافتانين وميتنا وهاكورك وكانت هذه الحملة متسقة مع الحملات العسكرية، اليومية، التي يشنها الجيش التركي، ضد المتمردين الكورد في جنوبي شرقي تركيا.

كان هجوم الجيش التركي، في الفترة من مايو إلى يوليه 1997، هو الأشد والأعنف، وكان أحد أهدافه السياسية "إبعاد الجيش عن الصراع الجاري داخل تركيا، نتيجة اتجاه حزب "الرفاه الإسلامي" إلى إصلاحات دينية، ضد الاتجاه "العلماني"، الذي يتولى الجيش الحفاظ عليه وقد بدأ الهجوم في 14 مايو 1997، بالتحالف مع الحزب الديموقراطي الكوردستاني وأعلنت البيانات التركية، خلال هذه الحرب، قتل مئات من أعضاء حزب العمال ، وتدمير قاعدة نراب (Nirab)، وهي قاعدته الرئيسية، ورفع العلم التركي عليها ثم أعلنت القوات التركية أنها ستقيم منطقة آمنة، داخل حدود العراق، يراوح عمقها بين 10 و 50 كم، وكانت قد توغلت حوالي 100 كم داخل الأراضي العراقية إلا أن هذا الإعلان، وُوجه برفض تام من جميع الدول.

بعدها أعلنت الحكومة التركية عن انسحاب قواتها من شمالي العراق بينما أعلنت بغداد أن قوات تركية لا تزال موجودة في المنطقة.

الهجوم الكاسح، بدأ في 23 سبتمبر 1997، لضرب مواقع لحزب العمال في شمالي العراق وأعلن العراق أن حجم القوات التركية المهاجمة، حوالي 16 ألف مقاتل، ومائتي دبابة، وأذاعت وكالات الأنباء، أن هذا الهجوم جرى بالتنسيق مع الحزب الديموقراطي الكوردستاني، بعد تأمين ضفتَي نهر دجلة لقطع الطريق على حوالي ألف من أعضاء حزب العمال الكوردستاني، ومنعهم من الهرب في اتجاه سوريا أو إيران وقد استمر هذا الهجوم حوالي 23 يوماً، أعلنت، خلاله، تركيا، أنها قتلت أكثر من 800 فرد مـن أعضاء حزب العمال ، ودمرت العديد من القواعد ثم أعلنت القوات انسحابها، لتبدأ حرب بالوكالة، بين الحزب الديموقراطي الكوردستاني، المتحالف مع تركيا، لاستكمال تدمير قواعد حزب العـمال ، وبين الاتحـاد الوطني الكوردستاني، "حامي حمى حزب العمال" وتكاد تكون مسيرة القتال هي المسيرة نفسها في مواجَهة الحزبين، في سبتمبر 1996 ، ولكن مع استبدال تركيا بالعـراق، في دعم أعمال قتال الحـزب الديموقراطي، إذ تدخل الطيران التركي في القتال لمصلحته، كي يمكّنه من استعادة مناطق فقدها ، واستولى عليها الاتحاد الوطني.

وهو ما يوحي بأن أطراف الصراع، وضعت حدوداً للتوازن بين قوى الكورد، في شمالي العراق، لا يسمح بتخطِّيها.

شُـنّ الجيش التركي ملة أخرى على قواعد حزب العمال الكوردستاني، في تركيا وفي شمالي العراق، في 4 مايو 1998.

ولقد أسفرت الحملات العسكرية التركية عن عدد كبير من الضحايا الكورد، قدِّر، حتى أواسط عام 1996، بنحو عشرين ألف قتيل، معظمهم من المدنيين.
وأدى القتال، والشعور بعدم الأمان، الناجم عن ممارسات القوات الحكومية، إلى إفراغ أكثر من 2600 قرية ودسكرة من سكانها، مما أسفر، بدوره، عن تدفّق أكثر من مليونَي فلاح كوردي على المدن، القريبة والبعيدة، على حد سواء وشكل هؤلاء عبئاً على تلك المدن، بسبب افتقاد الترتيبات لإيوائهم، كما أنهم تحولوا إلى خزان بشري، تولى إمداد حزب العمال بالأعضاء والمناصرين.
أنفقت الخزينة التركية ملايين الدولارات، لقمع الحركات الكوردية المسلحة فقد بلغت نفقات الحرب في كوردستان التركية، حتى مطلع عام 1994، وفقاً لوزير الدولة السابق علي شوقي أرك، 8,2 مليارات دولار سنوياً وبلغت نفقات الحرب، ضد حزب العمال منذ اندلاعها وحتى اليوم، 40 مليار دولار، وفقاً للتقديرات المتداولة.



الأطراف الأخرى، ومواقفها من حزب العمال

إتهمت تركيا كلاً من سوريا وإيران، بتمويل حزب العمال الكوردستاني (PKK)، وإمداده بالسلاح، لاستخدامه ضد أهداف تركية، ونفت كلتا الدولتَين ذلك، على الرغم من وجود فروع للحزب في كلا البلدَين، ولجوء مسلحيه إليهما، كلما اشتدت الحملات العسكرية ضده.

استخدمت تركيا موضوع مياه الفرات ورقة ضغط ضد سوريا، التي تؤوي عاصمتها زعيم حزب العمال الكوردستاني، عبدالله أوج آلان ، وتسمح لعناصره بالتدريب في سهل البقاع، الذي تشرف عليه القوات السورية في لبنان.

كذلك، استخدمت اليونان هذا الحزب ورقة ضاغطة على تركيا، في نزاعهما حول قبرص وبحر إيجة وغيرهما من المسائل العالقة بين البلدَين، من منطلق أن عدو عدوي، هو صديقي وأمدت الحزب بالدعم المادي، من أسلحة وتدريب، وافتتحت اليونان، في العاصمة، أثينا، مقراً لهذا الحزب وذكر أنه افتتح مقراً له في أرمينيا.

وسمح بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا والسويد، لبعض تشكيلات الحزب بالعمل في أراضيها، وبث دعايتها عبر التليفزيون، باللغة الكوردية.

ولكن الولايات المتحدة الأمريكية متضامنة مع تركيا، في هذا الخصوص، وترى أن حزب العمال الكوردستاني منظمة إرهابية.

ونجحت الحكومة التركية في حينها أن تتحالف مع الحزب الديموقراطي الكوردستاني، العراقي، ليضطلع بقتال حزب العمال الكوردستاني، التركي، "بالوكالة عنها".
وقدم الحزب الديموقراطي الكوردستاني ، خدمة إلى الحكومة التركية، بتمكينها من القبض على شمدين صاقيق، أحد القادة العسكريين في حزب العمال الكوردستاني، الذي لجأ إلى البارزاني، في شمالي العراق، بعد أن انشق على حزبه جرى ذلك في 13 أبريل 1998، حين دهمت القوات التركية دهوك، في شمالي العراق، ونجحت في خطف شمدين صاقيق، ونقله في طائرة عمودية إلى تركيا، حيث يحاكم بسبب مسؤوليته عن مجزرة، ذهب ضحيتها 33 جندياً تركياً، في مايو 1993، في جنوبي شرقي تركيا.



فشل الحملات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكوردستاني

يرجع ذلك إلى عدة أسباب، تضعها الحكومة التركية في تقديرها، ولكن لا يمكنها التغلب عليها وهي:
- منعة المنطقة الجبلية التي يحتمي بها أعضاء حزب العمال، ووعورة جبالها، التي تحول دون نجاح القوات في الوصول إليها، وتُفقِد القصف، الجوي والمدفعي، تأثيره وكذلك، العوامل المناخية، وقرس البرد، وتراكم الثلوج في شرقي تركيا، تعوق العمليات الحربية، طوال الشتاء، انتظاراً لقدوم الربيع.
- لجوء قيادات وقوات من حزب العمال إلى إيران أو سوريا، عند بدء العمليات التركية وقد حاولت القوات التركية، خلال حملتها في سبتمبر1997، قطْع طرق الهروب، في وجه مقاتلي الحزب، ولكنها لم تنجح.
- انتشار القواعد في القرى ، وبين العشائر، يجعل القوات التركية مشتتة في التفريق بين من هو كوردي تركي ، وكوردي عراقي.

ط - مأزق حزب العمال الكوردستاني

يواجه حزب العمال الكوردستاني، على الرغم من قوّته العسكرية، ونشاطه الواسع على الساحة التركية، مأزقاً عقائدياً أيديولوجياً، يتمثل في العقيدة السياسية للحزب، وهي المبادئ الماركسية الستالينية ولهذا يركز الحزب هدفه في بناء دولة شيوعية في كوردستان وقد شهد عدة انشقاقات في صفوفه ، و يفتقر الحزب إلى الديموقراطية أو الشورى وكانت شعاراته المتطرفة، قد أكسبته تأييد الجماهير في الماضي ، ولكن بعد تنامي الحركة الإسلامية في تركيا، وتفكك الأنظمة الشيوعية والاشتراكية في العالم، فقدت تلك العقائد والشعارات مكانتها ويحاول الحزب، اليوم، استخدام بعض الشعارات الإسلامية، ويعمل على احتواء التحرك الإسلامي في كوردستان التركية، بتأسيس خط العلماء المبارزين (المناضلين)، داخل حزب العمال وصرح عبدالله أوج آلان، زعيم الحزب، في أبريل 1990، قائلاً: "إنه سيوظف الدين في المقاومة الكوردية، وإنه سيتجاوز إيران في ذلك".

ولكن هذا العمل أثار حفيظة الإسلاميين الكورد، المنضوين تحت قيادة حزب الله، في كوردستان التركية، خاصة جناح الملا حسين ولي أوغلو وبدأت بين الطرفين مواجهة مسلحة وتدّعي جماعة حزب الله، أن مسلحي حزب العمال، يحاولون احتكار العمل السياسي، وأنهم ينفذون مخطط أعداء الإسلام، في كوردستان، ويدربون الشباب الكوردي، في أجواء غير إسلامية، ويربونهم على العقيدة الماركسية إزاء ذلك، يحتمل أن يتخلى الحزب عن برنامجه الراديكالي، المعادي للإمبريالية الغربية، والإقطاع الكوردي ، لأن استمراره في رفع الشعارات الماركسية، يدل على عدم وجود تقويم موضوعي للأحداث العالمية، عند قيادة الحزب والدليل على ذلك، أن الأحزاب الماركسية، اختفت، تقريباً، من الخريطة السياسية العالمية، وعلى الرغم من ذلك، كان عبدالله أوج آلان يصرح بأنه "ينوي إعادة ثورة أكتوبر الشيوعية في كوردستان" ومن العوامل التي ستضطر الحزب إلى تعديل برنامجه هي الصحوة الإسلامية في تركيا العلمانية، والمكتسبات التي حققتها، على صعيد العمل السياسي، بفوز حزب "الرفاه" في الانتخابات، إلى درجة جعلته أكبر الأحزاب في تركيا، وتوليه الحكم لفترة محدودة (1996-1997).

تنقل بين المقالات
الكورد في العراق المقالة السابقة
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع