مقالات و رأي > تركيا والكرد: الحوار بالحوار والدم بالدم!

تركيا والكرد: الحوار بالحوار والدم بالدم!



طارق حمو

الجنرال إلكر باشبوغ رئيس هيئة أركان الجيش التركي، قفزّ خارج الحدود وصدرّ القضية الأكبر في تركيا إلى اقليم كردستان العراق، الذي وصفه بأنه "المعيل الأكبر لحزب العمال الكردستاني" و"لولاه لما تلقت قواتنا كل هذه الضربات من الإرهابيين". وذهب باشبوغ، على جري العادة إياها، المتأصلة في المؤسسة العسكرية التركية، عندما هاجم شخص مسعود البرزاني رئيس اقليم كردستان، وهدد بالتوغل العسكري في عمق أراضي الفيدرالية الكردية والوصول إلى....كركوك!.

تصريحات باشبوغ جاءت على قع المعارك الطاحنة بين الجيش التركي وقوات حزب العمال الكردستاني، والتي أسفرت في الأسابيع الماضية عن مقتل وجرح عشرات الجنود، وفقدان عدد من المقاتلين الكرد لحياتهم. الهجمات الخاطفة التي تشنها المجموعات الكردية المقاتلة الصغيرة، عدداً وعدّة، كادت تشمل كل مساحة تركيا في الفترة الأخيرة. حزب العمال الكردستاني فعّل بعضاً من خبرته العسكرية التي إكتسبها طيلة 30 سنة من الحرب في وجه ثاني أقوى جيش في حلف شمال الأطلسي.

سلطات إقليم كردستان، وعلى لسان مسؤول قوات البيشمركة جبّار ياور، ردت على قائد الجيش التركي، برفض المشاركة في أية عملية عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني. ياور قال بان قواته ليست معنية بالصراع بين الكردستاني والجيش التركي، ولن تتحرك لمقاتلة أي طرف رضوخاً لمشيئة الطرف الآخر، ولكنها مستعدة لصد أي عدوان قد يطال أرض الإقليم.

الجنرال التركي وعدّ بسحق الكردستاني، ولكنه دعى جنوده إلى الصبر وتحمل الضربات!. أما رئيس مجلس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم رجب طيب أردوغان فأقسم بدوره بأن يجعل عناصر حزب العمال الكردستاني "يغرقون في دمائهم"، ولكنه عاد وتسوّل دعم الغرب وحلف شمال الأطلسي لتركيا في حربها ضد الكردستاني، وأخيراّ عبرّ عن تخوفه من سقوط حكومته تحت ضربات المقاتلين الكرد، إذما إستمرت الحرب على وتيرتها الحالية، وذلك عندما أشار في إجتماع لقريبين منه بأن "غاية حزب العمال الكردستاني من كل هذا التصّعيد هو إسقاط الحكومة"!.

الزعيم الكردي الأسير عبدالله أوجلان توسّع في مشروع الحل الجديد الذي تقدم به، وأشار إلى سيناريو متكامل لحل القضية الكردية في حال وجود رغبة صادقة للحل لدى الحكومة والجيش والمعارضة في أنقرة. أوجلان طالب، بدايّة، بإطلاق سراح السياسيين الكرد المنتخبين، ومن ثم تشكيل مجلس النواب التركي لهيئة عدالة ومصالحة( كتلك التي شٌكلت في جنوب افريقيا أثناء المفاوضات بين نظام الفصل العنصري والمؤتمر الوطني الأفريقي) ومن ثم حشدّ قوات حزب العمال الكردستاني في منطقة آمنة وبرعاية دولية، على أن تعود هذه القوات الى تركيا وتتخلى عن السلاح بعيد الإعتراف الدستوري بالهويّة الكردية، والإتفاق على صيغة (الإدارة الذاتية الموسعة) لإقليم كردستان تركيا.

مشروع أوجلان السلمي قوبل بصمت من الجانب الرسمي التركي، لكن الصحافة خاضت فيه، وظهرت العديد من الأصوات بين مؤيد ومعارض. وقد حذرّ أوجلان من مغبة المضي قدماً في الحرب، وقال بان حزب العمال الكردستاني ليس ضعيفاً وهو يملك أدوات كثيرة لإلحاق خسائر كبيرة بتركيا في حال مواصلة هذه الأخيرة للحرب الشاملة على الشعب الكردي والإستمرار في نكران هويته وحقوقه.

حالة الغضب والحنق على أشدها في كردستان الآن، وبشكل خاص بعد الكشف عن جرائم التمثيل الوحشي التي مارستها جنود الجيش التركي على جثامين المقاتلين الكرد الذين إستشهدوا مؤخراً في المواجهات التي وقعت في ولايات سيرت، شرناخ، جولمرك. عشرات المظاهرات خرجت في المدن الكردية للتنديد بتلك الجرائم، محمّلة كلها رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية المسؤولية عن إراقة دماء الشبان الكرد والترك، نتيجة الإصرار في رفض الحوار والسلام والمضي قدماً في سياسة الحرب والحسم العسكري.

حزب العمال الكردستاني جدد موقفه بالإلتزام بالحوار ووقف إطلاق النار في حال وجود نيّة للحل لدى الحكومة التركية، لكنه حذرّ، من نفاذ صبره، موضحاً بأنه "قد يضطر للرد الشامل على حالة الحرب الشاملة التي تشنها الدولة التركية ضد الشعب الكردي". الكردستاني خطط للمرحلة الجديدة( التي يسميها بالمرحلة الرابعة، وهي إستراتيجية تقوم على الرد العسكري النوعّي حتى إجبار الجانب التركي على الحوار والتهدئة)، لذلك فإن أي كلام عن ضعفه أو إنكسار قواته غير صحيح تماماً. فقد شهدت السنوات الثلاثة الأخيرة إنضمام حوالي 2000 مقاتل لصفوف الكردستاني، وهؤلاء يمكن الإعتماد عليهم في شن حرب عصابات طويلة الآمد قد تمتد سنيناً، ستلحق بتركيا خسائراً كبيرة في الأرواح والإقتصاد!.

لعل الحكومة والجيش يدرسان الآن مشروع أوجلان للسلام، وهناك فرصة حقيقية لوضع أسس الحل والإتفاق مع الجانب الكردي على نزع السلاح وانهاء الكفاح المسلح، شرط العدالة والإعتراف الدستوري بهوية وحقوق الكرد، ووضع أسس صيغة ( الإدارة الذاتية الموسعّة)، وربما حملت الرسالة التي بعث بها أوجلان مؤخراً لمسعود البرزاني، والتي يدعوه فيها للتوسط بين الكردستاني وأنقرة، مقترحات من هذا النوع.

الدولة التركية خبرت في الأسابيع الماضية بعضاً من أساليب رد حزب العمال الكردستاني، وهناك المزيد والمزيد في حال رفض أنقرة للحوار والتفاوض، كما يؤكد قيادات الكردستاني. لذلك فلاسبيل سوى إجراء مراجعة سريعة وجردة حساب واقعية والبدء في حل القضية الكردية، وإنهاء واقع الحرب والصدام الأهلي المستمرين منذ 30 عاماً. أما المراهنة على أوروبا وطلب العون من حلف شمال الأطلسي والجيش الأميركي، ومحاولة توريط قوات البيشمركة لكي تقاتل قوات الكردستاني نيابة عن الجيش التركي المهزوم، فلن تفيد ولن تنجح، بل ستجر المزيد من الحرب والمزيد من سفك الدماء والعودة بتركيا إلى المربع الأول، حيث سياسة الأرض المحروقة والقتل على الهوية والإعتقالات، والتي ستقابلها هجمات تخطف أرواح الجنود والشرطة وتكبد الدولة أموالا كبيرة، كان من الأجدى بها أن تذهب للتنمية والبناء...

تنقل بين المقالات
المقالة التالية كل الطرق تؤدي إلى...إيمرالي! وهل صار أردوغان الخليفة الرَّاشدي السَّادس!؟ المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع