مقالات و رأي > الأنظمة العربية خرجت من المعادلة الكونية الجديدة

الأنظمة العربية خرجت من المعادلة الكونية الجديدة


ابراهيم ابراهيم - الدنمارك

لقد - أفرزت الأحداث التي عصفت بالعالم منذ العقد الأخير من القرن الماضي و البداية الأولى للقرن الحادي و العشرين ابتداءً من الحرب الخليجية الثانية و انهيار المعسكر الاشتراكي و حروب البلقان و أفغانستان و التي جاءت كرد على الأعمال الإرهابية في المدن الامريكية في 11 آب 2001 و من ثم الحرب الدولية ضد نظام صدام حسين في العراق 2003 – و الثورات العربية المتلاحقة ضد أنظمتها الاستبدادية - تبدلات و تغييرات جذرية في المفاهيم السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية السائدة , و قد أدى ذلك إلى ظهور مبادرات و توجهات جديدة حول إعادة النظر في الخارطة العالمية و الانسانية بما ينسجم و يتلاءم مع المعطيات الجديدة للفكر العالمي الجديد وحل جميع القضايا الانسانية العالقة من الحرية و الديمقراطية و الأمن و السلم و حقوق النسان و التحضير لمواجهة أخطار الطبيعة المحتملة , كالتبدلات الطقسية و المناخية و مشكلة نقص المياه , و الحد من التجارب النووية التي باتت تشكل الخطر الأكبر على العالم للدخول إلى عالم أكثر أماناً و اطمئناناً لا تحكمه الحواجز السياسية و الجغرافية المصطنعة لا تهددها الحروب و الكوارث الطبيعية .

و يبدو أن الشعوب الشرقية عامة و العربية خاصة / طبعاً و للأسف بعد الغرب المتقدم علينا بعشرات السنين / كانت السباقة في استيعابها للمعادلة الكونية الجديدة كمحاولة أخيرة منها للحفاظ على عناصر ديمومتها ضمن الحراك التاريخي الخطير و الهام و اللحظة التي تنتمي إليها ولعل لهذه الأسبقية العربية الكثير من الأسباب .

ولعل الأسباب الذاتية التي وِ لدت و توالدت هي العظمى من عموم الأسباب الذاتية و الموضوعية , و الحقيقة أنه وفي الأعوام القليلة الماضية بدا واضحاً أن أسباب استمرارية الوجود العربي و الشرقي عموماً ضمن معادلة بقاء الأمم لم تعد موجودة بسبب وقف النمو تماماً في عناصر التنمية البشرية في معظم الكتل المجتمعية العربية وبدء سريان التآكل الذاتي لهذ الشعوب من خلال الضمور الواضح في ديناميكية المجتمعات العربية و انعدام الحراك الفكري و العلمي و الاجتماعي و السياسي و بات المجتمعات العربية تدخل حالة السبات التاريخي .

و طبعاً كان ذلك نتيجة طبيعية و حتمية لتاريخ غير طبيعي و لموروثات ثقافية دخل في عدادها الكثير من العناصر غير الصحية مثل الاستبداد و القمع التي انتجتها منظومة مفاهيم دينية اجتهادية خاطئة لعلماء و مشايخ في الدين وجِدوا خطأً و مارستها مؤسسات سياسية أحزاب و سلطات حاكمة عبر منظومة مفاهيم سياسية لتراعي و تنسجم مع مصالحها وتشرعن استبدادها و قمعها واستمراريتها مستندة طبعاً على نظريات أوهبته اياه منظومة المفاهيم الدينية كـ " إطاعة أولي الأمر " وعدم التشكيك بها لامتلاكها الحقيقة المطلقة ...!!

إن هذه الامور و الكثير غيرها حدت من العملية الابتكارية و خلقت حالة من الجمود السياسي و الاجتماعي و الفكري التي أدّت إلى تراجع مريب في عملية التنمية البشرية و انغلاق تام للمجتمعات العربية على نفسها ز لم تقف هذه العملية عند حد معين بل تناسبت طردياً مع التطور التقني و التقدم التكنولوجي الذي واكبته و تواكبه الشعوب و المجتمعات الأخرى و ما سمي بالعولمة و إلغاء الحدود و الحواجز بين الدول و الأوطان , فكلما استفاد العالم من هذه التقنية و كلما تنعمت بالحرية و الرفاهية و السلم و الأمان ازداد القمع و الاستبداد من قبل الأنظمة العربية على شعوبها .

ويبدو أن الأنظمة السياسية العربية و دون أن تشعر كانت هي التي تتآكل ذاتياً و تنغلق على نفسها أكثر و تستبد بقوانين الطبيعة الحتمية التي تقول لا بل تقر بأن العالم و الانسان في تغير و تقدم حتى باتت هذه الانظمة كالسلحفاة الحية النائمة تحت حجر مغطاة بالجليد دون أن تفكر بأيام الصيف القادمة و التي سوف تذوب الجليد شدة حرارتها و أن هذه الطاقة الحرارية ستحول إلى طاقة حركية متن شأنها أن تغيير الكثير من الملامح المعتادة في المحيط .

كان لا بد و اعتماداً على قانون الطبيعة الحتمي و في ظل المتغيرات العالمية و الأحداث المتلاحقة من ثورات و انقلابات في المفاهيم الإنسانية و ما يسمى بالثورة المعرفية التي يعد العالم نفسه بها , و التطور التقني الهائل , و تجاوز التراكمات السالفة , و التمردات التي حصلت و تحصل هنا و هناك على الانغلاق , ومن ثم العولمة التي غزت و تغزو جميع مناحي الحياة الإنسانية و ما شهدته و تشهده الساحة العالمية من قضايا خطيرة تتعلق بمصير الشعوب – أن يجري ما جرى و الانتقال من حالة الجمود و الركود إلى حالة الحركة و التناغم و الانسجام بين مكونات العالم الاجتماعية و الفكرية و جعل أمل الشعوب يخطو بهم رغم كل ما عانته و تعانيه بأنه قادر على يتماشى مع المعادلة الكونية الجديدة وأن هذه الشعوب قادرة على توظيف هذه المعادلة في خدمة مجتمعاتها عبر استيعاب عناصرها الروحية و المادية .

تنقل بين المقالات
كم يكفيهم من الأرواح ... لـ«يتنحوا»؟! المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع