مرة أخرى.. عن العلاقة بين سورية والعراق
عدالت عبـدالله* 24/12/2009 13:01
ثمة حقيقة بشأن موقف العراق الرسمي تجاه دولة جارة مثل سورية، هي أن العراق، يعي أهمية هذا البلد بالنسبة له و لضمان سلامة أوضاعه من الناحية السياسية و الأمنية، و لكن ينتظر في المقابل أن تعي دمشق، هي الأخرى، دور العراق الجديد في المنطقة و معادلاتها السياسية.
فالعراق يفهم أن الموقع الجغرافي لسورية، مثلاً، منح هذا البلد امتيازا استراتيجيا عبر التاريخ ومن كافة النواحي، فمعلوم أن سورية ملتقى القارات الثلاثة (آسيا - أوروبا - أفريقيا) وتتوسط المراكز الصناعية والتجارية الرئيسة في أوروبا ومراكز إنتاج النفط في منطقة الخليج ، و عليه يفهم العراق أن هذه المميزات كلها و على رأسها، العامل الجغرافي – السياسي تُميز دوماً هذه الجارة و تُعطيها خصوصيتها .
كما أن العراق يعلم أن هذا العامل نفسه، أي الجغرافي السياسي، يتحكم دوماً بسياسات البلدين و مواقفهم تجاه البعض بل يفرض عليهما أن يفكرا في أقامة علاقات سياسية و ستراتيجية جيدة تخدم مصالح الطرفين، هذا علاوةَ على عوامل أخرى ثقافية و سياسية و أقتصادية، نعلم أن كل واحد منها يلعب دوراَ كبيراً في تفاعل البلدين و توجيه علاقاتهما على الصعد المختلفة. و لا مراء أيضاً من أن سورية، كبلد عربي، تربطها بالعراق علاقات تاريخية و حضارية و تجارية و ثقافية، إن كان ذلك بفعل العامل الجيو-سياسي، أو الرابطة القومية و الإسلامية، التي تؤثر في بنية سياسات دول المنطقة و توجهاتهم أو مصالحهم و مبادئهم، و كذلك للعراق، من جانبه، مصالح سياسية و قومية في أقامة العلاقات مع الدول الأقليمية، فما بالك بسورية التي هي من بين البلدان الجارة التي يقسم العراق معها ، على الجهة الغربية، حدوده الدولية و يجعل منها منفذاً آخر من منافذه الأقليمية للإتصال بالعالم الخارجي.
النقطة البديهية الثانية هي وجود خلافات سياسية بين البلدين من زمن بعيد و لأسباب مختلفة و متباينة، إن كان الأمر يتعلق بحقبة حكم البكرــ صدام في العراق، التي شهدت فيها علاقات البلدين توترات سياسية و آيديولوجية لحد الوصول الى تجاذب و صراعات، أو كان الأمر متعلق بواقع العراق الجديد (2003)، الذي ترى دمشق، علناً ذلك أو مضمراً، بأنه وقع تحت هيمنة الولايات المتحدة و مخططاتها ضد الدول التي لاتقع في فلك المصالح الأمريكية. و الموقف واضح في الخطاب السوري الرسمي تجاه العملية السياسية في العراق و الذي يتمثل غالباً في عدم إرتياح دمشق من الوجود الأمريكي في العراق و كل ما يشهده هذا الأخير، أي العراق، من تطورات و إنجازات متواضعة أصبحت في نظر السوريين تُسَوّغ و تُسَوق للمشروع الأمريكي في المنطقة تدريجياً و تُنَظر له من خلال تحقيق الحريات السياسية في العراق و المبادئ الأساسية للديمقراطية، كالتعددية الحزبية و المواطنة، أو التمثيل السياسي و تداول السلطة، أو الصراعات و الإنتخابات أو مبادئ و مفاهيم أخرى تفهم دمشق بأنها قد تسبب لها، في النهاية، حرجاً سياسياً و تؤثر على أستقرار بنيتها السياسية و أمن نظام حكمها، لاسيما إذا ما تحول العراق الى بلد ديمقراطي في المنطقة و الى نموذج ملفت في الحكم و النظام يكون موضع التعميم و الإحتذاء لاسيما مع المشاريع الغربية التي تنادي بإجراء أصلاحات سياسية في العالم العربي و منطقة الشرق الأوسط و خصوصاً في الدول التي لاتؤيد مثل هذه المشاريع بل تعتبرها مخططاً أمريكياً لضرب مصالح بلدان المنطقة و زعزعة أستقرارهم السياسي الداخلي.
والخلاف بين العراق و سورية على هذا الصعيد يبدو و كأنه خلاف بنوي يتعلق بالزلزال الذي شهده نظام الحكم في العراق مع سقوط نطام صدام حسين، إلا أن الحقيقة، في وجهها الآخر، هي أن سورية حتى و إن تتصور خلافها مع عراق اليوم في هذا المستوى إلا أنه لابد أن تتفادى صراعات و توترات أخرى لاتصب في مصلحتها و أمنها القومي، خاصة إذا ما ورطت نفسها في معاداة تطورات العراق الإيجابية، أو زعزعة أستقرار هذا البلد من خلال التساهل مع العناصر المخربة و الإرهابية التي تقول بغداد بأنها تتسلل من سورية و تنطلق منها لتقويض الأمن و الأمان في المدن و المناطق العراقية المختلفة و أن في حوزة بغداد وثائق كافية لأثبات ذلك. فسورية ، في النهاية، دولة لاشك في أن لها تقومها الخاص بالنسبة لما يشهده العراق و لا ريب في أن المصالح السياسية و الأستراتيجية هي التي تتحكم بمواقفها تجاه كل ما يحدث في العراق، إلا أن مع ذلك، ثمة حقائق يستوجب على دمشق أخذها بعين الإعتبار و هي بجملة: أن العراق قد تغير فعلاً و أن التعاطي مع هذا التغيير يقتضي منها مواكبتها للأحداث بمواقف عقلانية و ودية تضع العراق الى جانبها، كما عليها أن تعيد النظر أيضاً في المعادلات السياسية في المنطقة، سيما فيما يتعلق بالعراق، و ذلك ربما لأسباب عديدة، أبرزها هو أن العراقيين هم الذين يختارون نظام حكمهم و لا يرون في هذا الأختيار تهديداً لأمن أي بلد آخر طالما يحترمون سيادة الدول لا أستهدافها ! لاسيما دول الجوار. كما أن العراق لم يؤيد حتى الآن أية سياسات أمريكية أو غيرها ضد أي دولة من دول الجوار و قد كان له أستقلالية ملحوظة في القرار و الموقف، بل أكثر من ذلك كان يدعو، على عكس ذلك تماماً، الى إقامة أفضل العلاقات مع دول العالم كما تؤكد عليه، في كل مناسبة، القيادات العراقية و على رأسهم رئيس الجمهورية، و لا مصلحة أصلاً للعراق بأن يكون طرفاً في أي صراع أمريكي مع أية دولة من دول المنطقة طالما العراق نفسه يكون بأمس الحاجة الى دعم الدول له و عونهم و مساعدتهم له للخروج من أزماته السياسية و الأمنية و مشاكله و نزاعاته الداخلية.
نعم أن العراق لا يسعى الى تأزيم علاقاته مع دول الجوار و لا من مصلحته أن يكون كذلك، و بالتالي يريد أن تزول الخلافات مع سورية و يطالبها بمد يد الصداقة و العلاقة و حُسن الجوار، هذا فضلاً عن أن العراق كان و مايزال من دعاة الحوار و التفاوض بشأن كل الأمور الخلافية بشرط العمل بما يتفق عليه الطرفان و إبداء حُسن النية و التفاعل مع مايطالب به العراق ليس لمصلحة العراق وحده و التأكد من صحة المعلومات و الوثائق التي حصل عليها بشأن القضايا الخلافية فحسب، و إنما لمصلحة سورية أيضاً، فدمشق هي الأخرى بحاجة الى مواجهة المخططات التي تروم النيل منها و عزلها دولياً و الواقع أن هذا لن يتحقق بسهولة إلا بإعادة النظر في العلاقات الأقليمية و الحد من الخلافات السياسية مع دول الجوار و على رأسهم العراق.
* رئيس تحرير مجلة ( والابريس ) كُردستان العراق
عن صحيفة (الاتحاد) البغدادية
ثمة حقيقة بشأن موقف العراق الرسمي تجاه دولة جارة مثل سورية، هي أن العراق، يعي أهمية هذا البلد بالنسبة له و لضمان سلامة أوضاعه من الناحية السياسية و الأمنية، و لكن ينتظر في المقابل أن تعي دمشق، هي الأخرى، دور العراق الجديد في المنطقة و معادلاتها السياسية.
فالعراق يفهم أن الموقع الجغرافي لسورية، مثلاً، منح هذا البلد امتيازا استراتيجيا عبر التاريخ ومن كافة النواحي، فمعلوم أن سورية ملتقى القارات الثلاثة (آسيا - أوروبا - أفريقيا) وتتوسط المراكز الصناعية والتجارية الرئيسة في أوروبا ومراكز إنتاج النفط في منطقة الخليج ، و عليه يفهم العراق أن هذه المميزات كلها و على رأسها، العامل الجغرافي – السياسي تُميز دوماً هذه الجارة و تُعطيها خصوصيتها .
كما أن العراق يعلم أن هذا العامل نفسه، أي الجغرافي السياسي، يتحكم دوماً بسياسات البلدين و مواقفهم تجاه البعض بل يفرض عليهما أن يفكرا في أقامة علاقات سياسية و ستراتيجية جيدة تخدم مصالح الطرفين، هذا علاوةَ على عوامل أخرى ثقافية و سياسية و أقتصادية، نعلم أن كل واحد منها يلعب دوراَ كبيراً في تفاعل البلدين و توجيه علاقاتهما على الصعد المختلفة. و لا مراء أيضاً من أن سورية، كبلد عربي، تربطها بالعراق علاقات تاريخية و حضارية و تجارية و ثقافية، إن كان ذلك بفعل العامل الجيو-سياسي، أو الرابطة القومية و الإسلامية، التي تؤثر في بنية سياسات دول المنطقة و توجهاتهم أو مصالحهم و مبادئهم، و كذلك للعراق، من جانبه، مصالح سياسية و قومية في أقامة العلاقات مع الدول الأقليمية، فما بالك بسورية التي هي من بين البلدان الجارة التي يقسم العراق معها ، على الجهة الغربية، حدوده الدولية و يجعل منها منفذاً آخر من منافذه الأقليمية للإتصال بالعالم الخارجي.
النقطة البديهية الثانية هي وجود خلافات سياسية بين البلدين من زمن بعيد و لأسباب مختلفة و متباينة، إن كان الأمر يتعلق بحقبة حكم البكرــ صدام في العراق، التي شهدت فيها علاقات البلدين توترات سياسية و آيديولوجية لحد الوصول الى تجاذب و صراعات، أو كان الأمر متعلق بواقع العراق الجديد (2003)، الذي ترى دمشق، علناً ذلك أو مضمراً، بأنه وقع تحت هيمنة الولايات المتحدة و مخططاتها ضد الدول التي لاتقع في فلك المصالح الأمريكية. و الموقف واضح في الخطاب السوري الرسمي تجاه العملية السياسية في العراق و الذي يتمثل غالباً في عدم إرتياح دمشق من الوجود الأمريكي في العراق و كل ما يشهده هذا الأخير، أي العراق، من تطورات و إنجازات متواضعة أصبحت في نظر السوريين تُسَوّغ و تُسَوق للمشروع الأمريكي في المنطقة تدريجياً و تُنَظر له من خلال تحقيق الحريات السياسية في العراق و المبادئ الأساسية للديمقراطية، كالتعددية الحزبية و المواطنة، أو التمثيل السياسي و تداول السلطة، أو الصراعات و الإنتخابات أو مبادئ و مفاهيم أخرى تفهم دمشق بأنها قد تسبب لها، في النهاية، حرجاً سياسياً و تؤثر على أستقرار بنيتها السياسية و أمن نظام حكمها، لاسيما إذا ما تحول العراق الى بلد ديمقراطي في المنطقة و الى نموذج ملفت في الحكم و النظام يكون موضع التعميم و الإحتذاء لاسيما مع المشاريع الغربية التي تنادي بإجراء أصلاحات سياسية في العالم العربي و منطقة الشرق الأوسط و خصوصاً في الدول التي لاتؤيد مثل هذه المشاريع بل تعتبرها مخططاً أمريكياً لضرب مصالح بلدان المنطقة و زعزعة أستقرارهم السياسي الداخلي.
والخلاف بين العراق و سورية على هذا الصعيد يبدو و كأنه خلاف بنوي يتعلق بالزلزال الذي شهده نظام الحكم في العراق مع سقوط نطام صدام حسين، إلا أن الحقيقة، في وجهها الآخر، هي أن سورية حتى و إن تتصور خلافها مع عراق اليوم في هذا المستوى إلا أنه لابد أن تتفادى صراعات و توترات أخرى لاتصب في مصلحتها و أمنها القومي، خاصة إذا ما ورطت نفسها في معاداة تطورات العراق الإيجابية، أو زعزعة أستقرار هذا البلد من خلال التساهل مع العناصر المخربة و الإرهابية التي تقول بغداد بأنها تتسلل من سورية و تنطلق منها لتقويض الأمن و الأمان في المدن و المناطق العراقية المختلفة و أن في حوزة بغداد وثائق كافية لأثبات ذلك. فسورية ، في النهاية، دولة لاشك في أن لها تقومها الخاص بالنسبة لما يشهده العراق و لا ريب في أن المصالح السياسية و الأستراتيجية هي التي تتحكم بمواقفها تجاه كل ما يحدث في العراق، إلا أن مع ذلك، ثمة حقائق يستوجب على دمشق أخذها بعين الإعتبار و هي بجملة: أن العراق قد تغير فعلاً و أن التعاطي مع هذا التغيير يقتضي منها مواكبتها للأحداث بمواقف عقلانية و ودية تضع العراق الى جانبها، كما عليها أن تعيد النظر أيضاً في المعادلات السياسية في المنطقة، سيما فيما يتعلق بالعراق، و ذلك ربما لأسباب عديدة، أبرزها هو أن العراقيين هم الذين يختارون نظام حكمهم و لا يرون في هذا الأختيار تهديداً لأمن أي بلد آخر طالما يحترمون سيادة الدول لا أستهدافها ! لاسيما دول الجوار. كما أن العراق لم يؤيد حتى الآن أية سياسات أمريكية أو غيرها ضد أي دولة من دول الجوار و قد كان له أستقلالية ملحوظة في القرار و الموقف، بل أكثر من ذلك كان يدعو، على عكس ذلك تماماً، الى إقامة أفضل العلاقات مع دول العالم كما تؤكد عليه، في كل مناسبة، القيادات العراقية و على رأسهم رئيس الجمهورية، و لا مصلحة أصلاً للعراق بأن يكون طرفاً في أي صراع أمريكي مع أية دولة من دول المنطقة طالما العراق نفسه يكون بأمس الحاجة الى دعم الدول له و عونهم و مساعدتهم له للخروج من أزماته السياسية و الأمنية و مشاكله و نزاعاته الداخلية.
نعم أن العراق لا يسعى الى تأزيم علاقاته مع دول الجوار و لا من مصلحته أن يكون كذلك، و بالتالي يريد أن تزول الخلافات مع سورية و يطالبها بمد يد الصداقة و العلاقة و حُسن الجوار، هذا فضلاً عن أن العراق كان و مايزال من دعاة الحوار و التفاوض بشأن كل الأمور الخلافية بشرط العمل بما يتفق عليه الطرفان و إبداء حُسن النية و التفاعل مع مايطالب به العراق ليس لمصلحة العراق وحده و التأكد من صحة المعلومات و الوثائق التي حصل عليها بشأن القضايا الخلافية فحسب، و إنما لمصلحة سورية أيضاً، فدمشق هي الأخرى بحاجة الى مواجهة المخططات التي تروم النيل منها و عزلها دولياً و الواقع أن هذا لن يتحقق بسهولة إلا بإعادة النظر في العلاقات الأقليمية و الحد من الخلافات السياسية مع دول الجوار و على رأسهم العراق.
* رئيس تحرير مجلة ( والابريس ) كُردستان العراق
عن صحيفة (الاتحاد) البغدادية
| تنقل بين المقالات | |
كوردسـتان بلدي
|
السليمانية.. بيروت كردستان العراق وعاصمتها الثقافية
|
Voters total: 0
Average: 0
|
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
|


